الْحَمْدُ للهِ الَّذِي وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السُّمُوَّاتِ وَالْأرْضَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ مُعْتَرِفاً بِحَقِّهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، فَازَ بِالسَّبْقِ عَلَى خَلْقِهِ، وَأُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ فِي نُطْقِهِ، وَنُزِّلَ عَلَيْهِ كِتَابُ اللهِ أفْضَلُ الْكَلَامِ وَأَحَقُّهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً مَا ضَاءَ نَجْمٌ بِشَرَقِهِ، وَمَالَ نَجْمٌ بِعِرْقِهِ، وَبَعْدُ:
فَاتَّقُوْا اللهَ ـ أَيُّهَا النَّاسُ ـ حَقَّ تَقْوَاهُ، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَنْ يُنْجِيَكُمْ عِنْدَ الْعَرْضِ عَلَى اللهِ إِلَّا مَا قَدَّمْتُمُوهُ مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ، وَخَوْفٍ مِنَ اللهِ، فَاتَّقُوْا اللهَ وَرَاقِبُوهُ وَأَخْلِصُوا لَهُ الْعَمَلَ، وَاسْتَعِدُّوا لِيَوْمٍ تُعْرَضُونَ فِيهِ عَلَى اللهِ: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة: 18].
آيَةٌ فِي كِتَابِ اللهِ الْعَظِيمِ خَمْسُونَ كَلِمَةً فِي عَشْرِ جُمَلٍ، كُلُّ جُمْلَةٍ قَائِمَةٌ بِنَفْسِهَا جَمَعَ اللهُ تَعَالَى فِيهَا مِنَ الْفَضَائِلِ وَالْخِصَالِ مَا لَمْ يَجْتَمِعْ لِغَيْرِهَا مِنْ آيِ الْقُرْآنِ، جَعَلَ اللهُ لِقَارِئِهَا مِنَ الْعِصْمَةِ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ دَوَاهِي الْحَيَاةِ مَا لَا يُقَدِّرُهُ إِلَّا اللهُ، بَلْ إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مُوصِلَةٌ إِلَى الْجَنَّةِ.
عِبَادَ اللهِ: آيَةُ الْكُرْسِيِّ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ لَهَا فَضَائِلُ عَدِيدَةٌ، وَخِصَالٌ كَثِيرَةٌ، دَعَتِ الْعُلَمَاءَ وَالْمُفَسِّرِينَ إِلَى أَنْ يَقِفُوا عِنْدَهَا وَقْفَةَ تَدَبُّرٍ وَاعْتِبَارٍ، حَتَّى أَلَّفَ جَمْعٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ مُؤَلَّفَاتٍ مُسْتَقِلَّةً فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَقَطْ، وَمَا عَسَانَا هُنَا أَنْ نُحِيطَ إِلَّا بِشَيْءٍ يَسِيرٍ مِنْ فَضَائِلِهَا.
فَآيَةُ الْكُرْسِيِّ هِيَ أَعْظَمُ آيَةٍ فِي الْقُرْآَنِ كُلِّهُ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، أَتَدْرِي أَيَّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَعَكَ أَعْظَمُ؟» قَالَ: قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «يَا أَبَا الْمُنْذِرِ، أَتَدْرِي أَيَّ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللهِ مَعَكَ أعْظَمُ؟» قَالَ: قُلْتُ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: 255] قَالَ: فَضَرْبَ فِي صَدْرِي وَقَالَ: «وَاللهِ لِيَهْنِكَ الْعِلْمُ أَبَا الْمُنْذِرِ» رَوَاهُ الْإِمَامُ مُسْلِمٌ فِي "صَحِيحِهِ" وَأَبُو دَاوُدَ، وَزَادَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ، وَأَحْمَدُ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إِنَّ لِهَذِهِ الْآيَةِ لِسَاناً وَشَفَتَيْنِ تُقَدِّسُ الْمَلِكُ عِنْدَ سَاقِ الْعَرْشِ».
قَالَ النَّوَوِيُّ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: قَالَ الْعُلَمَاءُ: إِنَّمَا تَمَيَّزَتْ آيَةُ الْكُرْسِيِّ بِكَوْنِهَا أَعَظْمَ لِمَا جَمَعَتْ مِنْ أُصُولِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ مِنَ الْإِلَهِيَّةِ وَالْوَحْدَانِيَّةِ وَالْحَيَاةِ وَالْعِلْمِ وَالْمَلْكِ وَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ، وَهَذِهِ السَّبْعَةُ أُصُولُ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ ا.هـ.
وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: وَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ آيَةٌ وَاحِدَةٌ تَضَمَّنَتْ مَا تَضَمَّنَتْهُ آيَةُ الْكُرْسِيِّ ا.هـ لِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ اشْتَمَلَتْ عَلَى أَنْوَاعِ التَّوْحِيدِ كُلِّهَا الَّذِي مَا خُلِقَ الْخَلْقُ إِلَّا لِلْإقْرَارِ بِهِ، وَالنَّاسُ كُلَّمَا الْتَجَأُوا إِلَى رَبِّهِمْ وَزَادُوا إَلْحَاحاً فِي دُعَائِه، اسْتَجَابَ دُعَاءَهُمْ، وَلَقَدْ خَصَّ اللهُ مِنْ بَيْنِ أَسْمَائِهِ اسْماً إِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى، وَإِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، هُوَ اسْمُهُ الْأَعْظَمُ.
وَلَقَدْ ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْعَظِيمَةِ، رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِسَنَدٍ حَسَنٍ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدِ بْنِ السَّكَنِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا ـ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يَقُولُ فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: 255] وَ ﴿الم (1) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: 1-2].
«إِنَّ فِيهِمَا اسْمُ اللهِ الْأَعْظُمُ» وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيِّ، وَصَحَّحَهُ، وَالْحَاكِمُ فِي "الْمُسْتَدْرَكِ" عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أَنَّهُ قَالَ: «اسْمُ اللهِ الْأَعْظُمُ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ فِي ثَلاثٍ: سُورَةُ الْبَقَرَةِ، وَآلَ عِمْرَانَ، وَطَهَ».
قَالَ هِشَامُ بْن عُمَّارِ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ رَاوِي الْحَدِيثِ: أَمَّا الْبَقَرَةُ فَفِي: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: 255] وَفِي آلَ عِمْرَانَ: ﴿آلم (1) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: 1-2] وَفِي طَهَ: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ [طه: 111] وَإِنَّمَا كَانَ اسْمُ الْحَيِّ أَعَظْمَ الْأَسْمَاءِ كَمَا ذَكَرَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: لِأَنَّهُ مُسْتَلْزِمٌ لِجَمِيعِ الصِّفَاتِ، فَهُوَ أَصْلُهَا، وَلِهَذَا كَانَتْ آيَةُ الْكُرْسِيِّ أَعَظْمَ آيَةٍ فِي الْقُرْآَنِ.
فَمَنْ رَغِبَ الدُّعَاءَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ بِاسْمِ اللهِ الْأَعْظَمِ، لِيُجَابَ لَهُ دُعَاؤُهُ، فَلْيَدْعُ بِيَا حَيُّ يَا قَيُّومُ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ، رَوَى أَبُو دَاوُدَ، وَغَيْرُهُ، عَنْ أَنَسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ جَالِساً، وَرَجُلٌ يُصَلِّي ثُمَّ دَعَا: اللَّهُمَّ إِنِّي أَسَأَلُكَ بِأَنَّ لَكَ الْحَمْدَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ الْمَنَّانُ، بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأرْضِ، يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ، يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «لَقَدْ دَعَا اللهَ بِاسْمِهِ الْعَظِيمِ الَّذِي إِذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ، وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى».
مَهْمَا حَاوَلَ الْإِنْسَانُ الْمُحَافَظَةَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ فَلَا قُدْرَةَ لَهُ بِدُونِ عَوْنِ اللهِ وَتَيْسِيرِهِ.
وَلَقَدْ أَعْطَى هَذِهِ الْآيَةَ الْعَظِيمَةَ مِنَ الْخَصَائِصِ مَا جَعَلَ لِمَنْ قَرَأَهَا حِفْظاً مِنَ الشَّيْطَانِ يَوْمَهُ وَلَيْلَتَهُ، رَوَى الْبُخَارِيُّ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ قَالَ وَكَلَنِي رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ بِحِفْظِ زَكَاةِ رَمَضَانَ، فَأَتَانِي آتٍ فَجَعَلَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأَخَذْتُهُ وَقُلْتُ: لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: دَعْنِي فَإِنِّي مُحْتَاجٌ وَعَلَيَّ عِيَالٌ، وَلِي حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ، قَالَ فَخَلَّيْتُ عَنْهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ؟» قَالَ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ، شَكَا حَاجَةً شَدِيدَةً وَعِيَالاً فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ: «أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ» فَعَرَفْتُ أَنَّهُ سَيَعُودُ لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ إِنَّهُ سَيَعُودُ، فَرَصَدْتُهُ فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأخْذَتُهُ فَقُلْتُ: لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: دَعْنِي فَإِنِّي مُحْتَاجٌ، وَعَلَيَّ عِيَالٌ، لَا أَعُودُ، فَرَحِمْتُهُ وَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَأَصْبَحْتُ فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «يَا أَبَا هُرَيْرَةَ، مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ؟»، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، شَكَا حَاجَةً وَعِيَالاً فَرَحِمْتُهُ فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ «أَمَا إِنَّهُ قَدْ كَذَبَكَ وَسَيَعُودُ» فَرَصَدْتُهُ الثَّالِثَةَ، فَجَاءَ يَحْثُو مِنَ الطَّعَامِ، فَأخَذْتُهُ فَقُلْتُ: لَأَرْفَعَنَّكَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَهَذَا آخِرُ ثَلَاثِ مَرَّاتٍ أَنَّكَ تَزْعُمُ أَنَّكَ لَا تَعُودُ ثُمَّ تَعُودُ، فَقَالٌ: دَعْنِي أُعَلِّمْكَ كَلِمَاتٍ يَنْفَعُكَ اللهُ بِهَا قُلْتُ: وَمَا هِيَ؟ قَالَ: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ حَتَّى تَخْتِمَ الْآيَةَ، فَإِنَّكَ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللهِ حَافِظٌ، وَلَا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ، فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، فَأَصْبَحْتُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «مَا فَعَلَ أَسِيرُكَ الْبَارِحَةَ؟» قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، زَعَمَ أَنَّهُ يُعَلِّمُنِي كَلِمَاتٍ يَنْفَعُنِي اللهُ بِهَا فَخَلَّيْتُ سَبِيلَهُ، قَالَ «مَا هِيَ؟» قَالَ لِي: إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: 255] حَتَّى تَخْتِمَ الْآيَةَ، وَقَالَ لِي: لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنَ اللهِ حَافِظٌ، وَلَا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ.
وَكَانُوا أَحْرَصَ شَيْءٍ عَلَى الْخَيْرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «أَمَا إِنَّهُ صَدَقَكَ وَهُوَ كَذُوبٌ، تَعْلَمُ مَنْ تُخَاطِبُ مِنْ ثَلَاثِ لَيَالٍ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟» قُلْتُ لَا، قَالَ: «ذَاكَ شَيْطَانٌ» فَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ مِنَ اللهِ تَعَالَى حَافِظٌ، وَتَبْتَعِدَ عَنْهُ الشَّيَاطِينُ وَيُجِيرُهُ اللهُ مِنْ شُرُورِهِمْ، فَلَا يَتَمَكَّنُونَ مِنَ الْإِضْرَارِ بِهِ فَلْيُحَافِظْ عَلَى قِرَاءَةِ آيَةِ الْكُرْسِيِّ صَبَاحاً وَمَسَاءً.
يَقُولُ ابْنُ تَيْمِيَةَ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: قَدْ جَرَّبَ الْمُجَرِّبُونَ الَّذِينَ لَا يُحْصَوْنَ كَثْرَةً أَنَّ لِهَذِهِ الْآيَةِ مِنَ التَّأْثِيرِ فِي دَفْعِ الشَّيَاطِينِ، وَإِبْطَالِ أَحْوَالِهِمْ مَا لَا يَنْضَبِطُ مَنْ كَثْرَتِهِ وَقُوَّتِهِ، فَإِنَّ لَهَا تَأْثِيراً عَظِيماً فِي دَفْعِ الشَّيْطَانِ عَنْ نَفْسِ الْإِنْسَانِ، وَعَنِ الْمَصْرُوعِ، وَعَمَّنْ تُعِينُهُ الشَّيَاطِينُ، فَإِذَا قُرِئَتْ عَلَيْهِمْ بِصِدْقٍ دَفَعَتِ الشَّيَاطِينَ وَبَطَلَتِ الْأُمُورُ الَّتِي يُخَيِّلُهَا الشَّيْطَانُ، وَيَبْطُلُ مَا عِنْدَ إِخْوَانِ الشَّيَاطِينِ مِنْ مُكَاشَفَةٍ شَيْطَانِيَّةٍ وَتَصَرُّفٍ شَيْطَانِيٍّ، إِذْ كَانَتِ الشَّيَاطِينُ يُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ بِأُمُورٍ يَظُنُّهَا الْجُهَّالُ مِنْ كَرَامَاتِ أَوْلِيَاءِ اللهِ الْمُتَّقِينَ، وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ تَلْبِيسَاتِ الشَّيَاطِينِ عَلَى أَوْلِيَائِهِمُ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَالضَّالِّينَ ا.هـ.
وَمِنَ الْمَوَاضِعِ الَّتِي أُمِرَ الْمُسْلِمُ بِقِرَاءَةِ آيَةِ الْكُرْسِيِّ فِيهَا أَنْ يَقْرَأُهَا بَعْدَ صَلَاةِ الْفَرِيضَةِ، فَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «مَنْ قَرَأَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ آيَةَ الْكُرْسِيِّ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ إِلَّا أَنْ يَمُوتَ» رَوَاهُ النِّسَائِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ وَصَحَّحَهُ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، وَقَالُ ابْنُ حَجَرٍ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: إِسْنَادُهُ صَحِيحٌ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي "الزَّادِ".
وَفِي رِوَايَةٍ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ بِسَنَدٍ حَسَّنَهُ الْمُنْذِرِيُّ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: «مَنْ قَرَأَ آيَةَ الْكُرْسِيِّ فِي دُبُرِ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ كَانَ فِي ذِمَّةِ اللهِ تَعَالَى إِلَى الصَّلَاةِ الْأُخْرَى».
فَمَا أَوْثَقَ هَذِهِ الذِّمَّةَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ وَمَا أَقْوَاهَا! إِنَّهَا ذِمَّةُ اللهِ الْقَادِرِ الْمُقْتَدِرِ الَّذِي لَا غَالِبَ لِمَنْ نَصْرَهُ، وَلَا نَاصِرَ لِمَنْ خَذَلَهُ، وَمَا أَيْسَرَ هَذَا الْعَمَلَ!
وَمَا أَعْظَمَ جَزَاءَهُ! فَهَلْ يَخْطُرُ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ جَزَاءٌ أَجَلُّ وَأَفْضَلُ مِنَ الْجَنَّةِ؟ يَقُولُ ابْنُ الْقَيِّمِ فِي "زَادِ الْمَعَادِ": وَبَلَغَنِي عَنْ شَيْخِنَا أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ تَيْمِيَةَ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ أَنَّهُ قَالٌ: مَا تَرَكْتُهَا عُقَيْبَ كُلِّ صَلَاةٍ.
فَمَنْ أَرَادَ الْحِمَايَةَ وَالْوِقَايَةَ، وَأَنْ يَكُونَ فِي ذِمَّةِ اللهِ تَعَالَى، وَأَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ دُخُولِ الْجَنَّةِ إِلَّا أَنْ يَمُوتَ فَلْيَقْرَأْ هَذِهِ الْآيَةَ: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: 255].
الْحَمْدُ للهِ ذِي النِّعَمِ الْغَزِيرَةِ وَأَجَلُّهَا نِعَمَةُ الْإِسْلَامِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إلَهَ إِلَّا هُوَ لَا نَاصِرَ لِمَنْ أَذَلَّهُ، وَلَا مُذِلَّ لِمَنْ أعَزِّهُ سُبْحَانَهُ وَبِحَمْدِهِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ.
فَاتَّقُوْا اللهَ ـ أَيُّهَا النَّاسُ ـ وَعَلَيْكُمْ بِلُزُومِ طَاعَةِ اللهِ، وَاتِّبَاعِ مَرْضَاتِهِ، تَفُوزُوا بِجَنَّتِهِ، وَدَارِ كَرَامَتِهِ.
عِبَادَ اللهِ: مِنْ بَدَائِعِ آيَةِ الْكُرْسِيِّ مَا قَالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي "تَفْسِيرِهِ" بِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى عَشْرِ جُمَلٍ مُسْتَقِلَّةٍ، فَكُلُّ جُمْلَةٍ مِنْهَا لَهَا مَعْنًى قَائِمٌ بِذَاتِهِ، لَا يَحْتَاجُ إِلَى الْجُمْلَةِ الْأُخْرَى.
فَعَلَيْكُمْ ـ عِبَادَ اللهِ ـ بِقِرَاءَتِهَا، وَتَدَبُّرِهَا، وَفَهْمِ مَعَانِيهَا، وَعَلِّمُوهَا الصَّغَارَ وَالنِّسَاءَ، فَلَقَدْ كَانَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يُعَوِّذُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ـ أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ـ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يُعَوِّذُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ـ فَيَقُولُ: «أُعِيذُكُمَا بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّةِ مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَةٍ، وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ» ثُمَّ يَقُولُ: «كَانَ أَبُوكُمْ إِبْرَاهِيمُ يُعَوِّذُ بِهَا إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقً».
اللَّهُمُّ اعْصِمْنَا مِنْ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ، وَاحْفَظْنَا مِنْ بَيْنِ يَدَيْنَا، وَمِنْ خَلْفِنَا، وَعَنْ أَيْمَانِنَا، وَعَنْ شَمَائِلِنَا، وَمِنْ فَوْقِنَا، وَنَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ نُغْتَالَ مِنْ تَحْتِنَا.
وَاعْلَمُوا ـ عِبَادَ اللهِ ـ أَنَّ اللهَ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِهِ فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].