اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلّا اللهُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، وَللهِ الْحَمْدُ.
الْحَمْدُ للهِ الَّذِي سَهَّلَ لِعِبَادِهِ طَرِيقَ الْعِبَادَةِ وَيَسَّرَ، وَوَفَّاهُمْ أُجُورَهُمْ مِنْ خَزَائِنِ جُودِهِ الَّتِي لَا تُحْصَرُ، سُبْحَانَهُ لَهُ الْحَمْدُ عَلَى نِعَمِهِ الَّتِي تَتَكَرَّرُ، وَلَهُ الشُّكْرُ عَلَى فَضْلِهِ وَإِحْسَانِهِ، وَحُقَّ لَهُ أَنْ يُشْكَرَ، نَشْهَدُ أَنَّهُ اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ انْفَرَدَ بِالْخَلْقِ وَالتَّدْبِيرِ، وَكُلُّ شِيْءٍ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مَقْدُورٍ، وَنَشْهَدُ أَنَّ سَيِّدَنَا مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَفْضَلُ مَنْ صَلَّى وَصَامَ وَزَكَّى وَحَجَّ وَاعْتَمَرَ، صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ الَّذِينَ أَذْهَبَ اللهُ عَنْهُمُ الرِّجْسَ وَطَهَّرَ.
اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، وَللهِ الْحَمْدُ.
فَهَذَا يَوْمٌ تَوَّجَ اللهُ بِهِ الصِّيَامَ، وَأَجْزَلَ فِيهِ لِلصَّائِمِينَ وَالْقَائِمِينَ جَوَائِزَ الْبِرِّ وَالْإِكْرَامِ، يَقُولُ رَبُّنَا سُبْحَانَهُ: ﴿وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [البقرة: 185] وَهَا أَنْتُمْ قَدْ أَكْمَلْتُمْ بِفَضْلِ اللهِ صِيَامَ شَهْرِكُمْ وَجِئْتُمْ إِلَى مُصَلَّاكُمْ تُكَبِّرُونَ اللهَ رَبَّكُمْ عَلَى مَا هَدَاكُمْ إِلَيْهِ مِنْ دِينٍ قَوِيمٍ وَصِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وَصِيَامٍ وَقِيَامٍ، وَشَرِيعَةٍ وَنِظَامٍ، وَقَدْ خَرَجْتُمْ إِلَى صَلَاةِ الْعِيدِ وَقُلُوبُكُمْ قَدِ امْتَلَأَتْ بِهِ فَرَحاً وَسُرُوراً، وَأَلْسِنَتُكُمْ تَلْهَجُ بِالذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ تَسْأَلُونَ رَبَّكُمْ أَنْ يَتَقَبَّلَ عَمَلَكُمْ، وَأَنْ يَتَجَاوَزَ عَنْكُمْ، وَأَنْ يُعِيدَ عَلَيْكُمْ مِثْلَ هَذَا الْيَوْمِ، وَأَنْتُمْ فِي خَيْرٍ وَأَمْنٍ وَإِيمَانٍ وَاجْتِمَاعٍ عَلَى الْحَقِّ وَابْتِعَادٍ عَنِ الْبَاطِلِ.
اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، وَللهِ الْحَمْدُ.
مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ: خَاطَبَ اللهُ الْمُكَلَّفِينَ بِقَوْلِهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183] فَلَيْسَ الصِّيَامُ امْتِحَاناً فَقَطْ، وَلَا مَشَقَّةً لَيْسَ مِنْ وَرَائِهَا قَصْدٌ؛ بَلِ الصِّيَامُ رِيَاضَةٌ وَتَرْبِيَةٌ، وَإِصْلَاحٌ وَتَزْكِيَةٌ، وَمَدْرَسَةٌ خُلُقِيَّةٌ، يَتَخَرَّجَ فِيهَا الْإِنْسَانُ وَقَدْ أَصْبَحَ مَالِكاً لِنَفْسِهِ وَلِشَهَوَاتِهِ.
لَقَدِ اسْتَطَعْتَ ـ أَيُّهَا الْمُسْلِمُ ـ أَنْ تُضْرِبَ عَنِ الْمُبَاحَاتِ وَالطَّيِّبَاتِ، تَرَكْتَ الْمَاءَ الزُّلَالَ الْحَلَالَ، وَتَرَكْتَ الطَّعَامَ الطَّيِّبَ الَّلذِيذَ، تَرَكْتَ شَهَوَاتِكَ طَاعَةً لِأَمْرِ رَبِّكَ، هَلْ يَلِيقُ بِمَنْ مَنَعَ نَفْسَهُ مِنَ الْحَلَالِ طَاعَةً للهِ أَنْ يَقْرَبَ السُّحْتَ الْحَرَامَ، وَالرِّجْسَ النَّجِسَ مِنَ الشَّرَابِ وَالطَّعَامِ، لِذَلِكَ قَالَ رَبُّنَا: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 183] فَالتَّقْوَى هِيَ الْغَايَةُ الْكَبِيرَةُ مِنَ الصَّوْمِ، وَالتَّقْوَى هِيَ الْعَمَلُ بِطَاعَةِ اللهِ، عَلَى نُورٍ مِنَ اللهِ، رَجَاءَ رَحْمَةِ اللهِ، وَتَرْكُ مَعَاصِي اللِه، عَلَى نُورٍ مِنَ اللهِ، مَخَافَةَ عَذَابِ اللهِ، وَالصَّوْمُ أَكْبَرُ تَدْرِيبٍ عَلَى ذَلِكَ، فَعَلَيْكُمْ بِتَقْوَى اللهِ.
اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، وَللهِ الْحَمْدُ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ أَعْظَمَ مَا ِفي الْعِيدِ مِنْ مَعَانٍ عَظِيمَةٍ أَنَّهُ وَقْت لِلتَّغْيِيرِ مِنْ حَياةٍ إِلى حَيَاةٍ أُخْرَى، تَتَغَيَّرُ حَيَاةُ الْعَبْدِ مِنْ عِبَادَةِ الصِّيَامِ إِلَى عِبَادَاتٍ أُخْرَى، تَتَغَيَّرُ حَيَاةُ الْعَبْدِ إِلَى الْفَرَحِ وَالسُّرُورِ فَيَنْسَى كُلَّ مَا مَضَى مِنْ سَابِقِ أَيَّامِهِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ تَوَافُقٍ فَإِنَّ أَكْثَرَ مَا حَدَثَ فِي عَامِكُمْ هَذَا هُوَ السَّعْيُ مِنْ قِبَلِ الشُّعُوبِ لِتَغْيِيرِ أَحْوَالِهِمْ، حَتَّى صَارَ سَعْيُ خَاصَّةِ النَّاسِ قَبْلَ عَامَّتِهِمُ الْمُطَالَبَةَ بِالتَّغْيِيرِ.
وَإِنْ كَانَ فِي التَّارِيخِ عِبْرَةٌ؛ فَإِنَّ أَعْظَمَ عِبْرَةٍ فَي سِيرَةِ الْمُصْطَفَى ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَإِنَّ أَعْظَمَ حَدَثٍ غَيَّرَ اللهُ بِهِ الْحَيَاةَ كُلَّهَا يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ، حِينَ عَادَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ إِلَيْهَا بَعْدَ ثَمَانِ سَنَوَاتٍ، وَقَدْ أُخْرِجَ مِنْهَا خَائِفاً مُتَرَقِّباً، فَانْظُرُوا كَيْفَ يَفْعَلُ الْمُنْتَصِرُ الَّذِي مَكَّنَهُ اللهُ مِنْ عَدُوِّهِ، كَيْفَ إِذَا كَانَ ذَلِكَ الْعَدُوُّ سَبَباً فِي طَرْدِهِ وَإِبْعَادِهِ.
إِنَّ أَوَّلَ أَمْرٍ بَدَأَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ حِينَ دَخَلَ مَكَّةَ فَرِحاً مُنْتَصِراً أَنْ كَسَّرَ مَا حَوْلَ الْكَعْبَةِ مِنَ الْأَصْنَامِ وَالتَّمَاثِيلِ، كَيْ يَعْلَمَ النَّاسُ جَمِيعاً أَنَّ أَوَّلَ مَا يَنْبَغِي أَنْ يُبْدَأَ بِهِ فِي كُلِّ الِانْتِصَارَاتِ هُوَ إِقَامَةُ تَوْحِيدِ اللهِ.
إِنَّنَا جَمِيعاً فِي حَيَاتِنَا فِي مُعْتَرَكٍ مَعَ الشَّيْطَانِ، وَأَكْبَرُ مَا يَفْرَحُ بِهِ حِينَ يَصُدُّ النَّاسَ عَنْ تَوْحِيدِ رَبِّهِمْ، وَعَنْ عَقِيدَتِهِمُ الْخَالِصَةِ: «لَقَدْ يَئِسَ الشَّيْطَانُ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ» ﴿وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (118) وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا﴾ [النساء: 118-119] فَإِيَّاكُمْ أَنْ يَحْرِفَكُمُ الشَّيْطَانُ عَنْ دِينِكُمْ وَيُفْسِدَ عَلَيْكُمْ تَوْحِيدَكُمْ.
اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، وَللهِ الْحَمْدٌ.
أَتَدْرُونَ أَيَّ نِدَاءٍ بَدَأَ بِهِ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ بَعْدَ أَنْ طَهَّرَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ مِنَ الْأَصْنَامِ؟ هُوَ أَنْ أَمَرَ بِلَالاً فَصَعِدَ عَلَى الْكَعْبَةِ وَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ اللهُ أَكْبَرُ، وَصَلَّى فِي الْكَعْبَةِ، ثُمَّ دَارَ فِي الْبَيْتِ، وَكَبَّر فِي نَوَاحِيهِ، وَوَحَّدَ اللهَ.
ثُمَّ فَتَحَ الْبَابَ، وَقُرَيْشٌ قَدْ مَلَأَتِ الْمَسْجِدَ صُفُوفاً يَنْتَظِرُونَ مَاذَا يَصْنَعُ فَقَالَ: «لَا إِلَهَ إِلَّا اللُه وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ، يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، إِنَّ اللهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ نَخْوَة َالْجَاهِلِيَّةِ وَتَعْظُّمَهَا بِالْآبَاءِ، النَّاسُ مِنْ آدَمَ، وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ [الحجرات: 13] لَمْ يَفْخَرِ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ بِنَفْسِهِ، وَلَا بِقَبِيلَتِهِ، وَلَا بِانْتِصَارِهِ، إِنَّمَا فَرِحَ بِعُلُوِّ الدِّينِ وَسُمُوِّهِ، لَمْ يَدْعُ إِلَى أَنْظِمَةِ حُكْمٍ مُخْتَرَعَةٍ، أَوْ تَحَزُّبَاتٍ دِينِيَّةٍ مُبْتَدَعَةٍ؛ بَلْ رِفْعَةُ الْعَبْدِ بِشِدَّةِ تَقْوَاهُ لِرَبِّهِ سُبْحَانَهُ.
إِنَّ الْعِيدَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ أَعْظَمُ فُرْصَةٍ لِيَتَمَاثَلَ النَّاسِ فِي حَيَاتِهِمْ، فَهُوَ مَوْسِمٌ يَشْتَرِكُ فِيهِ الْمُسْلِمُونَ صَغِيرُهُمْ وَكَبِيرُهُمْ، غَنِيُّهُمْ وَفَقِيرُهُمْ، يَجْمَعُهُمُ الْفَرَحُ بِيَوْمِ الْعِيدِ، لَا يُنْظَرُ إِلَى جِنْسٍ دُونَ جِنْسٍ، الْمُقَدَّمُ عِنْدَ اللهِ هُوَ الْمَقْبُولُ، وَإِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ.
اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، وَللهِ الْحَمْدُ.
إِنَّ أَوَّلَ مَا يُفَكِّرُ فِيهِ الْمُنْتَصِرُ: أَنْ يَنْتَقِمَ لِنَفْسِهِ مِمَّنْ ظَلَمَهُ غَيْرَ أَنَّ مُحَمَّداً ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لَمَّا مَكَّنَهُ اللهُ مِمَّنْ ظَلَمُوهُ وَآذَوْهُ وَطَرَدُوهُ مِنْ بَلَدِهِ قَالَ قَوْلَتَهُ الْمَشْهُورَةَ: «فَإِنِّي أَقُولُ لَكُمْ كَمَا قَالَ يُوسُفُ لِإِخْوَتِهِ: ﴿قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ﴾ [يوسف: 92] اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ» الْعِيدُ أَفْضَلُ مُنَاسَبَةٍ يَنْتَصِرُ الْإِنْسَانُ فِيهَا عَلَى مَا دَفَنَهُ فِي صَدْرِهِ مِنْ ضَغَائِنَ وَأَحْقَادٍ، فَيَعْفُو عَمَّنْ ظَلَمَهُ وَيَصِلُ فِيهِ مَنْ قَطَعَهُ، وَيُحْسِنُ فِيهِ إِلَى مَنْ أَسَاءَ إِلَيْهِ.
إِنَّ فِي الْحَيَاةِ مَنَ النَّكَدِ وَالْعَنَاءِ مَا يَكْفِي، فَلَا ينْبَغِي لِعَاقِلٍ أَنْ يَجْعَلَ لِلشَّيْطَانِ فِي نَفْسِهِ مَوْقِعاً لِلضَّغِينَةِ وَالْأَحْقَادِ، وَمَا فَرِحَ الشَّيْطَانُ بِشَيْءٍ فَرَحَهُ بِالْوَقِيعَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، كَيْفَ إِذَا كَانُوا أَرْحَاماً وَأَقَارِبَ.
فَمَهْمَا بَلَغَ الْمُسْلِمُ مِنْ أَذِيَّةٍ فَلَنْ تَكُونَ بِمِثْلِ مَا بَلَغَ مُحَمَّداً مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، وَلَنْ نَسْتَطِيعَ أَنْ نَنْتَصِرَ بِمِثْلِ ذَلِكَ الِانْتِصَارِ الَّذِي انْتَصَرَ فِيهِ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَقَدْ عَلِمْتُمْ كَيْفَ فَعَلَ مَعَ كُلِّ أَهْلِ مَكَّةَ، وَلَا يَبْرُزُ حُسْنُ الْخُلُقِ وَمَا يَكُونُ عَلَيْهِ الْمُؤْمِنُ مِنْ تَعَامُلٍ مَعَ النَّاسِ إِلَّا فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَوَاقِفِ، فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ مَا أَحْسَنَ خُلُقَهُ وَتَعَامُلَهُ حَتَّى مَعَ أَعْدَائِهِ.
اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، وَللهِ الْحَمْدُ.
إِنَّ أَخْشَى مَا يَخْشَاهُ النَّاسُ فِي زَمَنِ التَّغْيِيرِ أَنْ تَنْقَلِبَ حَيَاةُ الْأَمْنِ خَوْفاً، وَحَيَاةُ الرَّاحَةِ شَقَاءً، لَكِنَّ مُحَمَّداً ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَبْلَ أَنْ يَدُخُلَ مَكَّةَ أَرْسَلَ مُنَادِياً يُنَادِي فِي رُبُوعِهَا: «مَنْ دَخَلَ دَارَهُ فَهُوَ آمِنٌ، وَمَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ آمِنٌ» فَيَاللهِ كَمْ مِنْ أُنَاسٍ قَلَبُوا حَيَاتَهُمْ بَعْدَ الْأَمْنِ خَوْفاً وَبَعْدَ الرَّاحَةِ شَقَاءً، رَغْبَةً فِي التَّغْيِيرِ، فَكَيْفَ إِذَا صَنَعُوا ذَلِكَ بِأَيْدِيهِمْ.
الْعِيدُ ـ عِبَادَ اللهِ ـ مَوْسِمٌ لِنَشْرِ الْمَوَدَّةِ وَالرَّحْمَةِ بَيْنَ النَّاسِ، فَلْيَعْطِفِ الصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ، وَلَيْسَ أَرْوَعَ مِنْ أَنَّ اللهَ شَرَعَ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ هَذَا الْعِيدِ زَكَاةَ الْفِطْرِ كَيْ يَأْمَنَ الْفُقَرَاءُ فِي هَذَا الْيَوْمِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَمَنْ تَحْتَ نَظْرِهِمْ، إِنَّ الْمُسْلِمَ فِي هَذَا الْيَوْمِ يَفْرَحُ بِانْتِصَارِهِ عَلَى الشَّيْطَانِ، وَيَفْرَحُ بِهَذِهِ الْعِبَادَاتِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي يَسَّرَهَا اللهُ لَهُ، وَيَفْرَحُ فِي يَوْمِ الْعِيدِ؛ لِأَنَّ الْفَرَحَ عِبَادَةٌ.
رَوَى النِّسَائِيُّ، وَأَبُو دَاوُودَ، وَغَيْرُهُمْ، عَنْ أَنَسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ قَالَ: كَانَ لِأَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ يَوْمَانِ مِنْ كُلِّ سَنَةٍ يَلْعَبُونَ فِيهِمَا، فَلَمَّا قَدِمَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ الْمَدِينَةِ قَالَ: «كَانَ لَكُمْ يَوْمَانِ تَلْعَبُونَ فِيهِمَا، وَقَدْ أَبْدَلَكُمُ اللهِ بِهِمَا خَيْرًا مِنْهُمَا يَوْمُ الْفِطْرِ وَيَوْمُ النَّحْرِ» وَرَوَتْ عَائِشَةُ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا ـ قاَلَتْ دَخَلَ أَبُو بَكَرٍ وَعِنْدِي جَارِيَتَانِ مِنْ جَوَارِي الْأَنْصَارِ تُغَنِّيَانِ بِمَا تَقَاوَلَتِ الْأَنْصَارُ يَوْمَ بُعَاثٍ، وَلَيْسَتَا بِمُغَنِّيَتَيْنِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ: أَمَزَامِيرُ الشَّيْطَانِ فِي بَيْتِ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَذَلِكَ فِي يَوْمِ عِيدٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «يَا أَبَا بَكْرٍ إِنَّ لِكُلِّ قَوْمٍ عِيداً وَهَذَا عِيدُنَا».
يَقُولُ ابْنُ حَجَرٍ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ دَلِيلٌ عَلَى إِظْهَارِ السُّرُورِ فِي الْأَعْيَادِ وَأَنَّهُ مِنْ شَعَائِرِ الدِّينِ، فَلْيَكُنْ عِيدُنَا مَوْسِمَ فَرَحٍ لَا تَجَاوُزَ فِيهِ، وَمَوْسِمَ سَعَادَةٍ لَا طُغْيَانَ فِيهَا، فَإِنْ كُنْتُمُ انْتَصَرْتُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَعَلَى عَدُوِّكُمْ خِلَالَ شَهْرِ رَمَضَانَ، فَإِنِّي أَدْعُوكُمْ أَنْ تُوَاصِلُوا انْتِصَارَكُمْ عَلَيْهِ طِيلَةَ عَامِكُمْ وَلَا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا.
إِنَّكُمْ قَدْ غَيَّرْتُمْ حَيَاتَكُمْ خِلَالَ شَهْرِ رَمَضَانَ إِلَى عِبَادِةٍ وَصِلَةٍ وَقُرْبٍ للهِ ـ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ـ فَوَاصِلُوا هَذَا الْعَمَلَ وَلَا تَعُودُوا لِسَالِفِ عَهْدِكُمْ.
أَيُّهَا النَّاسُ: لَئِنْ كُنْتُمْ قَدَرْتُمْ عَلَى تَغْيِيرِ حَيَاتِكُمْ خِلَالَ رَمَضَانَ، فَارْتَبَطْتُمْ فِيهِ بِرَبِّكُمْ سُبْحَانَهُ، وَاقْتَرَبْتُمْ مِنْهُ، فَأَنْتُمْ قَادِرُونَ عَلَى تَغْيِيرِ الْحَيَاةِ كُلِّهَا ـ حُكَّاماً وَمَحْكُومِينَ ـ لِأَنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11].
فَمَنْ أَرَادَ تَغْيِيرَ مَا بِالْأُمَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ مِنْ ضَعْفٍ: فَلْيَبْدَأْ بِتَغْيِيرِ نَفْسِهِ، فَمَا الُّدَوُل إِلَّا بِشُعُوبِهَا، وَمَهْمَا تَغَيَّرَتْ كَثِيرٌ مِنَ الْأُمُورِ وَالْقُلُوبُ مَرِيضَةٌ بَعِيدَةٌ عَنِ اللهِ، مُعْرِضَةٌ عَنْ آَيَاتِهِ، مُرْتَكِبَةٌ لِنَوَاهِيهِ، فَلَا يَنْفَعُ تَغْيِيرُ الظَّوَاهِرِ وَالْبَوَاطِنُ مُظْلِمَةٌ: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: 40-41] لِذَلِكَ إِنْ أَعْطَاكُمُ اللهُ عُمْراً فَقَدْ لَا تَجِدُوا أَثَراً لِمَا يَحْصُلُ فِي الْعَالَمِ مِنْ تَغْيِيرٍ؛ لِأَنَّهُمْ خَالَفُوا هَدْيَ النُّبُوَّةِ.
اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، وَللهِ الْحَمْدُ.
يَقُولُ اللهُ سُبْحَانَهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ﴾ [محمد: 33] رَوَى الطَّبَرِيُّ، عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ قَالَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ: مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ لَا يُبْطَلَ عَمَلاً صَالِحاً عَمِلَهُ بِعَمَلٍ سَيِّءٍ فَلْيَفْعَلْ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ، فَإِنَّ الْخَيْرَ يَنْسَخُ الشَّرَّ، وَإِنَّ الشَّرَّ يَنْسَخُ الْخَيْرَ، وَإِنَّ مَلَاكَ الْأَعْمَالِ خَواتِيمُهَا.
فَاتَّقُوا اللهَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ وَالْحَذَرَ مِنْ أَنْ تُبْطِلُوا مَا قَدَّمْتُمُوهُ مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ بِالْوُقُوعِ فِي مَعْصِيَةِ اللهِ، فَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يُقَرِّبُ إِلَى الْعَمَلِ، وَالسَّيِّئَةُ تُقَرِّبُ أُخْتَهَا، وَلَا يَزَالُ الْعَبْدُ يَتَقَرَّبُ إِلَى اللِه بِالنَّوَافِلِ حَتَّى يُحِبَّهُ اللهُ؛ فَإِنْ كَانَ مَحْبُوباً للهِ فَقَدْ فَازَ.
الَّلهُمَّ حَقَّقْتَ لَنَا فَرَحَنَا عِنْدَ فِطْرِنَا بِنِهَايَةِ صَوْمِنَا فَحَقِّقْ لَنَا فَرَحَنَا بِلِقَائِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَقَدْ تَغَيَّرَتْ أَحْوَالُنَا مِنَ الضِّيقِ إِلَى السَّعَةِ وَمِنْ الشَّقَاءِ إِلى السَّعَادَةِ.
اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، وَللهِ الْحَمْدُ.
الْحَمْدُ للهِ، ضَمِنَ السَّعَادَةَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اللُه، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، هَدَى النَّاسَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، مَنْ سَلَكَهُ فَازَ بِالْعِزِّ وَالنَّعِيمِ الْمُقْيمِ، وَمَنْ حَادَ عَنْهُ ذَاتَ الشِّمَالِ وَذَاتَ الْيَمِينِ رُمِيَ بِهِ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ، فَصَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَالتَّابِعِينَ.
حُقَّ لِلْمُؤْمِنِ الَّذِي شَرَحَ اللهُ صَدْرَهُ لِلْعَمَلِ الصَّالِحِ أَنْ يَفْرَحَ بِمَا أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِ بِهِ مِنْ تَوْفِيقٍ: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: 58].
فَاشْكُرُوا اللهَ تَعَالَى عَلَى مَا أَنْعَمَ بِهِ عَلَيْكُمْ مِنْ إِتْمَامِ الصِّيَامِ وَالْقِيَامِ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ أَكْبَرِ النِّعَمِ، وَاعْلَمُوا ـ مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ ـ أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَمْ يَأْمُرْكُمْ بِالْعِبَادَةِ لِاحْتِيَاجِهِ إِلَيْكُمْ، فَهُوَ سُبْحَانَهُ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ، وَإِنَّمَا أَمَرَكُمْ بَمَا أَمَرَكُمْ بِهِ لِاحْتِيَاجِكُمْ إِلَيْهِ وَقِيَامِ مَصَالِحِكُمُ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ عَلَيْهِ، فَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوهُ وَحَافِظُوا عَلَى الصَّلَاةِ، فَلَا دِينَ بِلَا صَلَاةٍ، فَهِيَ عَمَلُ أَنْبِيَاءِ اللهِ وَرُسُلِهِ وَسُؤَالُهُمُ الدَّائِمُ لِرَبِّهِمْ، قَالَ اللهُ تَعَالَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ ـ عَلَيْهِ السَّلاَمُ ـ: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ [إبراهيم: 40] وَقَالَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ ـ عَلَيْهِ السَّلاَمُ ـ: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾ [مريم: 55] وَقَالَ عَنْ عِيسَى ـ عَلَيْهِ السَّلاَمُ ـ: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: 31] وَقَالَ اللهُ لِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ [هود: 114].
وَاجْتَنِبُوا الْمُحَرَّمَاتِ؛ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ فِيهَا خَيْرٌ لَكُمْ مَا حَرَّمَهَا اللهُ عَلَيْكُمْ فَهُوَ الْجَوَادُ الْكَرِيمُ، وَإِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ مَا فِيهِ ضَرَرُكُمْ دِيناً وَدُنْيَا رَحْمَةً بِكُمْ، فَاتَّقُوا اللهَ وَتَمَتَّعُوا بِمَا أَبَاحَ لَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ، وَاشْكُرُوهُ عَلَيْهَا؛ فَإِنَّ الشُّكْرَ سَبَبٌ لِدَوَامِ النِّعَمِ وَمَزِيدِهَا.
اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، وَللهِ الْحَمْدُ.
لَمَّا أَتَمَّ اللهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَتْحَ مَكَّةَ أَخَذَ رَسُولُ اللهِ الْبَيْعَةَ عَلَى الرِّجَالِ بِالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ فِيمَا اسْتَطَاعُوا، ثُمَّ أَخَذَ الْبَيْعَةَ عَلَى النِّسَاءِ فَقَالَ: «أُبَايِعُكُنَّ عَلَى أَنْ لَا تُشْرِكْنَ بِاللهِ شَيْئاً، وَلَا تَسْرِقْنَ» فَقَالَتْ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ: إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، فَإِنْ أَنَا أَصَبْتُ مِنْ مَالِهِ هِنَاتٍ؟ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: وَمَا أَصَبْتِ فَهُوَ لَكِ حَلَالٌ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ وَعَرَفَهَا، فَقَالَ: «وَإِنَّكِ لَهِنْدُ» قَالَتْ: نَعَمْ، فَاعْفُ عَمَّا سَلَفَ يَا نَبِيَّ اللهِ عَفَا اللهُ عَنْكَ، فَقَالَ: «وَلَا يَزْنِينَ» فَقَالَتْ: أَوَ تَزْنِي الْحُرَّةُ؟ فَقَالَ: «وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ» فَقَالَتْ: رَبَّيْنَاهُمْ صِغَاراً وَقَتَلْتُمُوهُمْ كِبَاراً، فَأَنْتُمْ وَهُمْ أَعْلَمُ، فَقَالَ: «وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ» فَقَالَتْ: وَاللهِ إِنَّ الْبُهْتَانَ لَأَمْرٌ قَبِيحٌ، وَمَا تَأْمُرُنَا إِلَّا بِالرُّشْدِ وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، فَقَالَ: «وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ» فَقَالَتْ: وَاللهِ مَا جَلَسْنَا مَجْلِسَنَا هَذَا وَفِي أُنْفِسِنَا أَنْ نَعْصِيَكَ، وَلَمَّا رَجَعَتْ جَعَلَتْ تَكْسِرُ صَنَمَهَا، وَتَقُولُ: كُنَّا مِنْكَ فِي غُرُورٍ.
أَلَا فَاتَّقُوا اللهَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ وَاتَّقِينَ اللهَ ـ أَيَّتُهَا النِّسَاءُ ـ وَعَاهِدُوا اللهَ عَلَى مِثْلِ مَا بَايَعَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ رِجَالاً وَنِسَاءً رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ.
اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ، اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ، وَللهِ الْحَمْدُ.
أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ مِنْ سُنَّةِ الْمُصْطَفَى ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فِي الْعِيدِ مُخَالَفَةَ الطَّرِيقِ الَّذِي جَاءَ فِيهِ إِلَى صَلَاةِ الْعِيدِ، وَكَانَ السَّلَفُ يُهَنِّئُ بَعْضَهُمْ بَعْضاً بِالْعِيدِ، مُظْهِراً الْفَرَحَ وَالْبَشَاشَةَ لِمَنْ لَقِيَهُ فِي يَوْمِ الْعِيدِ لِمَا رُوِيَ عَنْ حَبِيبِ بْنِ عُمَرَ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: لَقِيتُ وَاثِلَةَ يَوْمَ عِيدٍ فَقُلْتُ: تَقَبَّلَ اللهُ مِنَّا وَمِنْكَ، فَقَالَ: تَقَبَّلَ اللهُ مِنَّا وَمِنْكَ، رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ.
فَتَقَبَّلَ اللهُ مِنِّي وَمِنْكُمْ صَالِحَ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ، الَّلهُمَّ صَلِّ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ مُحَمَّدٍ، وَارْضَ عَنْ أَصْحَابِ نَبِيِّكَ أَجْمَعِينَ، وَعَنَّا مَعَهُمْ بِعَفْوِكَ وَكَرَمِكَ يَا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
الَّلهُمَّ هَانَحْنُ خَرَجْنَا إِلَيْكَ مُوَدِّعِينَ شَهْرَنَا، نَرْجُو نَوَالَكَ وَإِفْضَالَكَ الَّلهُمَّ فَجُدْ عَلَيْنَا بِقَبُولِ مَا سَلَفَ مِنْ أَعْمَالِنَا، وَتَجَاوَزْ عَمَّا بَدَرَ مِنْ تَقِصِيرِنَا، الَّلهُمَّ أَصْلِحْ لَنَا مَا بَقِيَ مِنْ أَعْمَارِنَا، وَسَدِّدْنَا وَوَفِّقْنَا، الَّلهُمَّ حَقِّقْ لِأُمَّةِ الْإِسْلَامِ مَا تَرْجُوهُ مِنْ فَضْلِكَ وَرَحْمَتِكَ وَنَوَالِكَ، الَّلهُمَّ ارْحَمْ ضَعْفَهُمْ وَاجْبُرْ كَسْرَهُمْ وَأَصْلِحْ شَأْنَهُمْ، الَّلهُمَّ حَقَّقْتَ لَنَا فَرَحَنَا عِنْدَ فِطْرِنَا مِنْ صَوْمِنَا فَحَقِّقْ لَنَا فَرَحَنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ لِقَائِكَ.
سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ وَسَلاَمٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ، وَالْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ.