إِنَّ الْحَمْدَ للهِ، نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا وَسَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
أمَّا بَعْدُ: فَإِنَّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كَلَامُ اللهِ، وَخَيْرَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَشَرَّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُها، وَكُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ وَكُلَّ ضَلَالَةٍ فِي النَّارِ.
أَمَّا بَعْدُ: فَيَا عِبَادَ اللهِ: قَدْ صَحَّ وَثَبَتَ عَنْ نَبِيِّ الْإِسْلَامِ رَسُولِنَا الْكَرِيمِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أَنَّهُ قَالَ: «إِنَّ لِرَبِّكُمْ فِي أَيَّامِ دَهْرِكُمْ نَفَحَاتٍ أَلَا فَتَعَرَّضُوا لَهَا وَسَلُوا اللهَ أَنْ يَسْتُرَ عَوْرَاتِكُمْ، وَأَنْ يُؤَمِّنَ رَوْعَاتِكُمْ» هَذَا الْحدِيثُ الْجَلِيلُ يُبيِّنُ أَمْرَيْنِ مُهِمَّيْنِ يَجِبُ عَلَى عَبِيدِ اللهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ أَنَّ يَتَنَبَّهُوا إِلَيْهِ وَأَنْ يَجْتَمِعُوا عَلَيْهِ.
أَوَّلُ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ: هُوَ التَّحَيُّنُ لِلأَوْقَاتِ الْمُبَارَكَةِ وَلِلأَزْمِنَةِ الْفَاضِلَةِ؛ فَاللهُ ـ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ـ وَلَهُ الشَّأنُ كُلُّهُ، وَلَهُ الْخِيَرَةُ كُلُّهَا، اخْتَارَ مِنْ خَلْقِهِ أَشْخَاصاً وَأَزْمَاناً وَأَمْكِنَةً جَعَلَ لَهَا مِنَ الْفَضْلِ، وَجَعَلَ لَهَا مِنَ الْمَزَايَا مَا قَدْ يَكُونُ لَهَا فَقَطْ، وَلَا يَكُونُ لِغَيْرِهَا.
وَأَمَّا الْأَمْرُ الثَّانِي: فَهُوَ أَنْ يُحَافِظَ الْعَبْدُ عَلَى دُعَاءٍ يَكُونُ فِيهِ نَجَاتُهُ، وَتَكُونُ فِيهِ حِمَايَتُهُ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، فَسَلُوا اللهَ أَنْ يَسْتُرَ عَوْرَاتِكُمْ، وَأَنْ يُؤْمِنَ رَوْعَاتِكُمْ، فنَسْأَلُ اللهَ الْعَظِيمَ ـ أَنْ يَسْتُرَ مِنَّا الْعَوْرَاتِ، وَأَنْ يُؤْمِنَنَا فِي الرَّوْعَاتِ؛ إِنَّهُ سُبْحَانَهُ وَلَيُّ ذَلِكَ، وَالْقَادِرُ عَلَيْهِ.
وَمِنْ هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ الْمُبَارَكَةِ، وَهَذِهِ النَّفَحَاتِ الطَّيِّبَةِ الَّتِي اخْتَصَّ اللهُ تَعَالَى بِهَا بَعْضَ الزَّمَانِ هَذِهِ الأَيَّامُ الَّتِي نَحْنُ فِيهَا؛ فَنَحْنُ فِي غُرَّةِ شَهْرِ شَعْبَانَ؛ هَذَا الشَّهْرُ الْكَرِيمُ الَّذِي يَأْتِي بَيْنَ رَمَضَانَ وَرَجَبٍ؛ فَيَكُونُ تَالِياً لِرَجَبٍ وَسَابِقاً (لِرَمَضَانَ) حَتَّى كَانَ لَهُ خُصُوصِيَّةٌ ـ بَلْ خَصَائِصُ مُتَعَدِّدَةٌ ـ ذَكَرَهَا لَنَا رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ.
فَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ـ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ! مَا لِي أَرَاكَ تَصُومُ فِي شَعْبَانَ أَكْثَرَ مِمَّا تَصُومُ فِي غَيْرِهِ؟ يَعْنِي: مِنْ غَيْرِ رَمَضَانَ فقَالَ ـ عَلَيْهِ الصَّلَاة وَالسَّلامُ ـ: «شَهْرُ شَعْبَانَ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ، تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى اللهِ، وَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ تُرْفَعَ أَعْمَالِي فِيهِ إِلَى اللهِ وَأَنَا صَائِمٌ» أَخْرَجَهُ اَلْنَسَائِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.
هَذَا حَدِيثُ رَسُولِ اللهِ ـ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلامُ ـ الَّذِي بَيَّنَ فِيهِ غَفْلَةَ النَّاسِ عَنْ صِيَامِ هَذَا الشَّهْرِ، وَعَمَّا فِيهِ مِنْ فَضَائِلَ، وَعَمَّا فِيهِ مِنْ مَزَايَا وَخَصَائِصَ مِمَّا قَدْ لَا يَتَنَبَّهُ لَهُ الْكَثِيرُونَ.
وَسُؤَالُ أُسَامَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ يَدُلُّ عَلَى مَدَى اهْتِمَامِ الصَّحَابَةِ الكِرَامِ وَتَمَسُّكِهِمْ بِسُّنَّةِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ.
وَكَانَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يَصُومُ شَعْبَانَ إِلَّا قَلِيلاً كَمَا أَخْبَرَتْ عَنْهُ عَائِشَةُ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا ـ فِي الحَدِيثِ المُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ حَيثُ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يَصُومُ حَتَّى نَقُولَ لَا يُفْطِرُ، وَيُفْطِرُ حَتَّى نَقُولَ لَا يَصُومَ، وَمَا رَأْيتُ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ اسْتَكْمَلَ صِيَامَ شَهْرٍ إِلَّا رَمَضَانَ، وَمَا رَأْيتُهُ أَكْثَرَ صِيَاماً مِنْهُ فِي شَعْبَانَ.
قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَفِي الحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى فَضْلِ الصَّومِ فِي شَعْبَانَ.
وَقَالَ ابْنُ رَجَبٍ: وَأَمَّا صِيَامُ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ مِنْ أَشْهُرِ السَّنَةِ فَكَانَ يَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ مَا لَا يَصُومُ مِنْ غَيرِهِ مِنَ الشُّهُورِ.
وَالحِكْمَةُ فِي إِكْثَارِهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ الصِّيَامَ فِي شَعْبَانَ: غَفْلةُ النَّاسِ عَنْهُ، فَفِي الحَدِيثِ: (يَغْفَلُ النَّاسُ عَنْهُ بَينَ رَجَبَ وَرَمَضَانَ).
وَالمَعْنَى الثَّانِي المَذْكُورُ فِي الحَدِيثِ هَوَ أَنَّ شَهْرَ شَعْبَانَ تُرْفَعُ فِيهِ الأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ العَالَمِينَ ، فَأَعْمَالُ العِبَادِ تُرْفَعُ فِي هَذَا الشَّهْرِ مِنْ كُلِّ عَامٍ ، كَمَا أَنَّ الأَعْمَالَ تُعْرَضُ يَومَ الِاثْنَينِ وَالْخَمِيسِ مِنْ كُلِّ أُسْبُوعٍ فَأَحَبَّ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أَنْ تُرْفَعَ أَعْمَالُهُ إِلَى رَبِّ العَالَمِينَ وُهُوَ صَائِمٌ ؛ لأَنَّ الصِّيَامَ مِنْ الصَّبْرِ، وَهُوَ يَقُولُ:{ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ}
وَذَكَرُوا لِذَلِكَ مَعْنًى ثَالِثًا: وَهُوَ التَّمْرِينُ عَلَى صِيَامِ رَمَضَانَ، قَالَ ابنُ رَجَبٍ: وَقَدْ قِيلَ فِي صَومِ شَعْبَانَ مَعْنًى آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ صِيَامَهُ كَالتَّمْرِينِ عَلَى صِيَامِ رَمَضَانَ، لِئَلَّا يَدْخُلَ فِي صَومِ رَمَضَانَ عَلَى مَشَقَّةٍ وَكُلْفَةٍ، بَلْ يَكُونُ قَدْ تَمَرَّنَ عَلَى الصِّيَامِ وَاعْتَادَهُ، وَوَجَدَ بِصِيَامِ شَعْبَانَ قَبْلَهُ حَلَاوَةَ الصِّيَامِ وَلَذََّّتَهُ، فَيَدْخُلُ فِي صِيَامِ رَمَضَانَ بِقُوةٍ وَنَشَاطٍ.أ.هـ.
وَهَذَا الشَّهْرُ اسْمُهُ شَعْبَانُ، وَلِهَذَا الْاسْمِ مَعْنًى عِنْدَ الْعَرَبِ؛ فَقَدْ ذَكَرَ أَئِمَّةُ اللُّغَةِ: أَنَّ شَعْبَانَ سُمِّيَ بِهَذَا الاسْمِ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ تَكُونُ فِي شَهْرِ رَجَبٍ مُمْتَنِعَة عَنِ الْحَرْبِ، وَمُمْتَنِعَة عَنِ الْقِتَالِ ـ لِأَنَّهُ مِنَ الْأَشْهُرِ الْحَرَامِ، وَمِنَ الْأَشْهُرِ الْمُحَرَّمِ القِتَالُ فِيهَا ـ فَإِذَا انْقَضَى شَهْرُ رَجَبٍ تَشَعَّبَ الْعَرَبُ لِلْقِتَالِ، وَتَشَعَّبَ الْعَرَبُ لِيَأْخُذُوا أُمُورَهُمْ مِمَّا يَكُونُ فِيهِ وُجُودُهُمْ مِنْ خِلَالِ مَا كَانَ يَجْرِي بَيْنَ الْقَبَائِلِ فَشَعْبَانُ مِنَ الشُّعَبِ أَوْ مِنَ التَّشَعُّبِ.
وَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ هَذَّبَ كَثِيراً مِنْ أَخْلَاقِ الْعَرَبِ، وَسُلُوكِيَّاتِهِمْ، وَحَافَظَ عَلَى مَا كَانُوا فِيهِ مُوَافِقِينَ لِلفِطْرَةِ، غَيْرَ مُغَيِّرِينَ، وَغَيْرَ مُبَدِّلِينَ، فَكَانُوا فِي بَقَايَا مِنْهُمْ ـ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فِطْرَةِ اللهِ ـ بِالرُّغْمِ مِمَّا كَانُوا فِيهِ مِنْ جَاهِلِيَّةٍ جَهْلَاءَ، وَمِنْ عَمَايَةٍ سَوْدَاءَ ـ أَعَاذَنَا اللهُ تَعَالَى وَإِيَّاكُمْ ـ.
وَلَقَدْ كَانَ السَّلَفُ الصَّالِحُ ـ رَضِيَ اللهُ تَعَالَى عَنْهُم ـ يُسَمُّونَ شَهْرَ شَعْبَانَ (شَهْرَ الْقُرَّاءِ) كَمَا وَرَدَ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ قَالَ: (شَهْرُ شَعْبَانَ شَهْرُ الْقُرَّاءِ) وَقَالَ غَيْرُهُ: (شَهْرُ شَعْبَانَ شَهْرُ الْقُرْآنِ) وَمَا ذَلِكَ إِلَّا اسْتِعْدَاداً وَتَهْيِئَةً لِلنُّفُوسِ، وَاسْتِعْدَاداً لِلْجَوَارِحِ وَالْأَبْدَانِ؛ حَتَّى تَسْتَقْبِلَ هَذَا الشَّهْر وَحَتَّى تَتَهَيَّأَ لَهُ؛ لِذَلِكَ مِنْ ضِمْنِ هَذَا التَّهَيُّؤِ، وَمِنْ نَفْسِ الطَّرِيقَةِ وَالْحَقِيقَةِ: أَنَّ النُّفُوسَ يَجِبُ أَنْ تَتَهَيَّأَ لِشَهْرِ الصِّيامِ، وَالْقُرْآنِ؛ حَتَّى يَكُونَ ـ ثَمَّةَ ـ مِيزَةٌ خَاصَّةٌ لِشَهْرِ رَمَضَانَ، ذَلِكَ الشَّهْرُ الْعَظِيمُ الَّذِي نَحْنُ عَلَى بُعْدِ أَسَابِيعَ مِنْهُ ـ نَسْأَلُ اللهَ تَبَارَكَ وتَعَالَى ـ أَنْ يُبَلِّغَنَا إِيَّاهُ، وَأَنْ يُعِينَنَا فِيهِ عَلَى الصِّيَامِ وَالْقِيَامِ، وَعَلَى الْالْتِزَامِ بِالْأَحْكَامِ، وَعَلَى الثَّبَاتِ عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ.
بَارَكَ اللهُ لِي وَلَكُمْ فِي الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ، أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ وَبَعْدُ:
وَمِمَّا يُشْرَعُ فِي شَهْرِ شَعْبَانَ أَنَّ مَنْ عَلَيهِ قَضَاءٌ مِنْ رَمَضَانَ لَا يَجُوزُ لَهُ تَأْخِيرُهُ حَتَّى دُخُولِ رَمَضَانَ الَّذِي يَلِيهِ مِنْ غَيرِ عُذْرٍ، عَنْ عَائِشَةَ - رَضِيَ اللهُ عَنْهَا – تَقُولُ: كَانَ يَكُونُ عَلَىَّ الصَّوْمُ مِنْ رَمَضَانَ فَمَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَقْضِيَهُ إِلاَّ فِى شَعْبَانَ وَذَلِكَ لِمَكَانِ رَسُولِ اللَّهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
فَمَا كَانَتْ تُؤَخِّرُ القَضَاءَ إِلَّا لِمَكَانَةِ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَلِذَلِكَ جَاءَ فِي الرِّوَايَةِ الأُخْرَى: قَالَتْ: (حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ(.
وَمِنْ أَحْكَامِ شَعْبَانَ: مَا صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فِيمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي "مُسْنَدِهِ" أَنَّهُ ـ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلامُ ـ قَالَ: «إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَلَا تَصُومُوا» فَالسُّنَّةُ ـ وَلَوْ مِنْ بَابِ الْأَحْوَطِ، تَرْكُ الصَّومِ.
وَصَحَّ عَنِ النَّبِيِّ الْكَرِيمِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ ـ أَنَّهُ قَالَ: «إِذَا انْتَصَفَ شَعْبَانُ فَأَمْسِكُوا عَنِ الصِّيَامِ» فِي رِوَايَةٍ: «فَلَا تَصُومُوا».
فَقَولُهُ: «فَأَمْسِكُوا عَنِ الصِّيَامِ» يُفِيدُ أَنَّ الْخِطَابَ لِمَنْ هُوَ مُعْتَادٌ عَلَى الصِّيَامِ، وَلِمَن هُوَ مُتَلَبِّسٌ بِالصِّيَامِ أَنْ يُمْسِكَ عَنِ الصِّيَامِ، وَلَا يُقَالَ: (أَمْسِكْ) لِمَنْ هُوَ أَصْلًا غَيْرُ قَائِمٍ بِالصِّيَامِ، أَوْ غَيْرُ مُتَلَبِّسٍ بِفِعْلٍ مُعَيَّنٍ فَهَذَا مِنْ نَفْسِ الْبَابِ.
وَمِمَّا يُنْهَى عَنْهُ فِي شَّعْبَانَ صِيَامُ يَومِ الشَّكِّ لِمَا رَوَاهُ صِلَةُ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ عَمَّارٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ فِي الْيَوْمِ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ فَأُتِي بِشَاةٍ فَتَنَحَّى بَعْضُ الْقَوْمِ فَقَالَ عَمَّارٌ: مَنْ صَامَ هَذَا الْيَوْمَ فَقَدْ عَصَى أَبَا الْقَاسِمِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ رَوَاهُ أَبُو دَاودَ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيرُهُمْ، فَلا يَنْبَغِي تَقَدُّمُ رَمَضَانَ بِصَومِ يَومٍ أَوْ يَومَينِ.
عِبَادَ اللهِ، إِنَّ أَعْمَالَ السَّنَةِ تُرْفَعُ إِلَى اللهِ تَعَالَى فِي شَعْبَانَ، فَأَعْمَالُ العِبَادِ تُعْرَضُ عَلَى اللهِ عَرْضًا بَعْدَ عَرْضٍ، فَتُعْرَضُ كُلَّ يَومٍ بِالَّليلِ وَالنَّهَارِ، ثُمَّ تُعْرَضُ عَلَيهِ أَعْمَالُ الجُمُعَةِ كُلَّ اثْنَينٍ وَخَمِيسٍ، ثُمَّ تُعْرَضُ عَلَيهِ أَعْمَالُ السَّنَةِ فِي شَعْبَانَ، وَلِكُلَّ عَرْضٍ حِكْمَةٌ، يُطْلِعُ اللهُ عَلَيهَا مَنْ شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ، أَوْ يَسْتَأْثِرُ بِهَا عِنْدَهُ، مَعْ أَنَّهُ تَعَالَى لَا يَخْفَى عَلَيهِ مِنْ أَعْمَالِهِمْ خَافِيَةٌ.
وَاعْلَمُوا ـ عِبَادَ اللهِ ـ أَنَّ اللهَ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِهِ فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].