الْحَمْدُ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبَهُ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً.
أَمَّا بّعْدُ: فَتَقْوَى اللهِ زِيْنَةُ الْمُؤْمِنِ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَلَاجِمَتُهُ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا، وَدَلِيلُهُ فِي فَقْرِهِ وَغِنَاهُ، فَاتَّقُوْا اللهَ تَعَالَى وَرَاقِبُوهُ فِي جَمِيعِ أُمُورِكُمْ.
فَإِنَّ مِنَ الْمَقَاصِدِ الشَّرْعِيَّةِ أْنْ يَبْذُلَ الْمَرْءُ وُسْعَهُ فِي سُؤَالِ رَبِّهِ سُبْحَانَهُ جَوَامِعَ الْأُمُورِ، الَّتِي يَنْدَرِجُ تَحْتَهَا أُمُورٌ كَثِيرَةٌ، وَلَنْ يَجِدَ الْمَرْءُ أَعْظَمَ مِنْ أَدْعِيَةِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَلِذَا كَانَ الصَّحَابَةُ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى الْاِقْتِدَاءِ بِهِ، وَاللَّهْجِ بِمَا حَفِظُوهُ عَنْهُ مِنْ أَدْعِيَةٍ، لِأَنَّهُمْ لَوْ بَذَلُوا وُسْعَهُمْ فِي جَمْعِ مَعَانٍ كَثِيرَةٍ فِي أَلْفَاظٍ قَلِيلَةٍ فَلَنْ يَسْتَطِيعُوا أَنْ يَصِلُوا إِلَى بَلَاغَةِ مُحَمَّدٍ ـ عَلَيْهِ السَّلاَمُ ـ.
رَوَى عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: صَلَّى بِنَا عُمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ صَلَاةً فَأَوْجَزَ فِيهَا، فَقَالَ لَهُ بَعْضُ الْقَوْمِ: لَقَدْ خَفَّفْتَ وَأَوْجَزْتَ الصَّلَاةَ، فَقَالَ: أَمَا عَلَيَّ ذَلِكَ، لَقَدْ دَعَوْتُ فِيهَا بِدَعْوَاتٍ سَمِعْتُهُنَّ مِنْ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَلَمَّا قَامَ تَبِعَهُ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ هُوَ أَبِي غَيْرَ أَنَّهُ كَنَّى عَنْ نَفْسِهِ، فَسَأَلَهُ عَنِ الدُّعَاءِ، ثُمَّ جَاءَ فَأَخْبَرَ بِهِ الْقَوْمَ: «اللَّهُمُّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ، وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ، أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْراً لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا عَلِمْتَ الْوَفَاةَ خَيْراً لِي، اللَّهُمَّ وَأَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَأَسْأَلُكَ كَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الرِّضَى وَالْغَضَبِ وَأَسْأَلُكَ الْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى، وَأَسْأَلُكَ نَعِيماً لَا يَنْفَدُ، وَأَسْأَلُكَ قُرَّةَ عَيْنٍ لَا تَنْقَطِعُ، وَأَسْأَلُكَ الرِّضَى بَعْدَ الْقَضَاءِ، وَأَسْأَلُكَ بَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ، وَأَسْأَلُكَ لَذَّةَ النَّظَرِ إِلَى وَجْهِكَ، وَالشَّوْقَ إِلَى لِقَائِكَ فِي غَيْرِ ضَرَّاءَ مُضِرَّةٍ، وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلَّة، اللَّهُمَّ زَيِّنَّا بِزِيْنَةِ الْإِيمَانِ، وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ» رَوَاهُ النِّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ.
هَذَا الدُّعَاءُ مِنَ الْأَدْعِيَةِ الَّتِي جَمَعَتْ خَيْراً عَظِيماً، وَقَدِ اشْتَمَلَ عَلَى مَا تَكُونُ بِهِ النَّجَاةُ، فَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِسَنَدِ حَسَنٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: «ثَلَاثٌ مُنْجِيَاتٌ، ثَلَاثٌ مُهْلِكَاتٌ، فَأَمَّا الْمُنْجِيَاتُ: فَتَقْوَى اللهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَاَنِيَةِ، وَالْقَوْلُ بِالْحَقِّ فِي الرِّضَى وَالسَّخَطِ وَالْقَصْدُ فِي الْغِنَى وَالْفَقْرِ، وَأَمَّا الْمُهْلِكَاتُ: فَهَوًى مُتَّبَعٌ، وَشُحٌّ مُطَاعٌ، وَإِعْجَابُ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ وَهِيَ أَشَدُّهُنَّ».
وَلِذَلِكَ كَانَ مِنْ دُعَائِه ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ هُنَا قَوْلُهُ: «أَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، وَكَلِمَةَ الْحَقِّ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا، وَالْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى».
وَرُوِيَ أَنَّ سُلَيْمَانَ ـ عَلَيْهِ السَّلاَمُ ـ قَالَ: «أُوتِينَا مِمَّا أُوتِيَ النَّاسُ، وَمِمَّا لَمْ يُؤْتَوْا، وَعُلِّمْنَا مِمَّا عُلِّمَ النَّاسُ، وَمِمَّا لَمْ يُعَلَّمُوا، فَلَمْ نَجِدْ شَيْئاً أَفَضْلَ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثِ خِصَالٍ: كَلِمَةُ الْحَقِّ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا، وَالْقَصْدُ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى وَخَشْيَةُ اللهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَاَنِيَةِ».
وَقَالَ نَافِعُ بْنُ سُلَيْمَانَ: قَالَ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ ـ عَلَيْهِ السَّلاَمُ ـ: ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ بَلَغَ مَا بَلَغْتُ: تَقْوَى اللهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَاَنِيَةِ، وَالْعَدْلُ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا وَالْقَصْدُ فِي الْغِنَى وَالْفَقْرِ.
فَأَمَّا خَشْيَةُ اللهِ فِي الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَالْمَعْنَى بِهَا أَنَّ الْعَبْدَ يَخْشَى اللهَ سِرَّاً وَإعْلَاناً، وَظَاهِراً وَبَاطِناً، فَإِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ يَرَى أَنَّهُ يَخْشَى اللهَ فِي الْعَلَانِيَةِ وَفِي الشَّهَادَةِ.
وَلَكِنَّ الشَّأْنَ فِي خَشْيَتِهِ اللهَ فِي الْغَيْبِ إِذَا غَابَ عَنْ أَعْيُنِ النَّاسِ، وَقَدْ مَدَحَ اللهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ، فَقَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ﴾ [الأنبياء: 49] وَقَالَ: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ ﴾ [ق: 33] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ﴾ [المائدة: 94] وَقَالَ ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الملك: 12].
وَكَانَ بَعْضُ السَّلَفِ يَقُولُ لِإِخْوَانِهِ: زَهَّدَنَا اللهُ وَإِيَّاكُمْ فِي الْحَرَامِ زَهَادَةَ مِنْ قَدَرَ عَلَيْهِ فِي الْخَلْوَةِ، فَعَلِمَ أَنَّ اللهَ يَرَاهُ فَتَرَكَهُ.
وَمِنْ هَذَا قَوْلُ بَعْضِهِمْ: لَيْسَ الْخَائِفُ مَنْ بَكَى وَعَصَرَ عَيْنَيْهِ، إِنَّمَا الْخَائِفُ مَنْ تَرَكَ مَا اشْتَهَى مِنَ الْحَرَامِ إِذَا قَدَرَ عَلَيْهِ، وَمِنْ هُنَا عَظُمَ ثَوَابُ مَنْ أَطَاعَ اللهَ سِرًّا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، وَمَنْ تَرَكَ الْمُحَرَّمَاتِ الَّتِي يَقْدِرُ عَلَيْهَا سِرَّاً.
فَأَمَّا ثَوَابُ مَنْ أَطَاعَ اللهَ سَرَّاً بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ فَمِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ﴾ [السجدة: 16] إِلَى قوله: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: 17] قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: أَخْفَوْا للهِ الْعَمَلَ فَأَخْفَى لَهُمُ الْجَزَاءَ.
وَفِي حَدِيثِ السَّبْعَةِ الَّذِي يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: «رَجُلٌ ذَكَرَ اللَّهَ خَالِياً فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ، وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ فَأَخْفَاهَا، حَتَّى لاَ تَعْلَمَ شِمَالُهُ مَا تُنفِقُ يَمِينُهُ».
وَأَمَّا تَرْكُ الْمُحَرَّمَاتِ الَّتِي يَقْدِرُ عَلَيْهَا سِرَّاً: فَمِثْلُ قَوْلِهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فِي السَّبْعَةِ الَّذِينَ يُظِلُّهُمُ اللهُ فِي ظِلِّهِ يَوْمَ لَا ظِلَّ إِلَّا ظِلُّهُ: «وَرَجُلٌ دَعَتْهُ امْرَأَةٌ ذَاتُ حُسْنٍ وَجَمَالٍ فَقَالَ: إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ العَالَمِينَ».
عِبَادَ اللهِ: وَمِمَّا يُوجِبُ خَشْيَةَ اللهِ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ أُمُورٌ:
مِنْهَا: قُوَّةُ الْإِيمَانِ بِوَعْدِهِ عَلَى الطَّاعَةِ، وَوَعِيدِهِ عَلَى الْمَعَاصِي.
وَمِنْهَا: النَّظَرُ فِي شِدَّةِ بَطْشِهِ وَانْتِقَامِهِ، وَقُوَّتِهِ وَقَهْرِهِ، وَذَلِكَ يُوجِبُ لِلْعَبْدِ تَرْكَ التَّعَرُّضِ لِمُخَالَفَتِهِ، كَمَا قَالَ الْحَسَنُ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: ابْنُ آدَمَ، هَلْ لَكَ طَاقَةٌ بِمُحَارَبَةِ اللهِ؟ فَإِنَّ مَنْ عَصَاهُ فَقَدْ حَارَبَهُ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: عَجِبْتُ مِنْ ضَعِيفٍ يَعْصِي قَوِيَّاً.
وَمِنْهَا: قُوَّةُ الْمُرَاقَبَةِ لَهُ، وَالْعِلْمُ بِأَنَّهُ شَاهِدٌ وَرَقِيبٌ عَلَى قُلُوبِ عِبَادِهِ وَأَعْمَالِهِمْ، وَأَنَّهُ مَعَ عِبَادِهِ حَيْثُ كَانُوا، كَمَا دَلَّ الْقُرْآنُ عَلَى ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: 7] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ﴾ [يونس: 61] الْآيَةُ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾ [المجادلة: 7] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ﴾ [النساء: 108] وَكَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي خَرَّجَهُ الطَّبَرَانِيُّ: «أَفْضَلُ الْإِيمَانِ أَنْ يَعْلَمَ الْعَبْدُ أَنَّ اللهَ مَعَهُ حَيْثُ كَانَ» فَيُوجِبُ ذَلِكَ الْحَيَاءَ مِنْهُ فِي السِّرِّ وَالْعَلَانِيَةِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: خَفِ اللهَ عَلَى قَدْرِ قُدْرَتِهِ عَلَيْكَ وَاسْتَحِ مِنْهُ عَلَى قَدْرِ قُرْبِهِ مِنْكَ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِمَنِ اسْتَوْصَاهُ: اتَّقِ اللهَ أَنْ يَكُونَ أَهْوَنَ النَّاظِرِينَ إِلَيْكَ.
وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ «ثَلَاثَةٌ يُحِبُّهُمُ اللهُ: رَجُلٌ أَتَى قَوْماً فَسَأَلَهُمْ بِاللهِ وَلَمْ يَسْأَلْهُمْ لِقَرَابَةٍ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ فَمَنَعُوهُ، فَتَخَلَّفَ رَجُلٌ بِأَعْقَابِهِمْ، فَأَعْطَاهُ سِرَّاً؛ لَا يَعْلَمُ بِعَطِيَّتِهِ إِلَّا اللهُ وَالَّذِي أَعْطَاهُ، وَقَوْمٌ سَارُوا لَيْلَهُمْ حَتَّى إِذَا كَانَ النَّوْمُ أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِمَّا يُعْدَلُ بِهِ فَوَضَعُوا رُءُوسَهُمْ فَقَامَ رَجُلٌ يَتَمَلَّقُنِي وَيَتْلُو آيَاتِي، وَرَجُلٌ كَانَ فِي سَرِيَّةٍ فَلَقُوا العَدُوَّ، فَهُزِمُوا، فَأَقْبَلَ بِصَدْرِهِ حَتَّى يُقْتَلَ أَوْ يُفْتَحَ لَهُ» فَهَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ قَدِ اجْتَمَعَ لَهُمْ مُعَامَلَةُ اللهِ سِرَّاً بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، حَيْثُ غَفَلَ النَّاسُ عَنْهُمْ، فَهُوَ تَعَالَى يُحِبُّ مَنْ يُعَامِلُهُ سِرَّاً بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ، حَيْثُ لَا يُعَامِلُهُ حِينَئِذٍ أَحَدٌ، وَالْمُحِبُّونَ للهِ يُحِبُّونَ ذَلِكَ أَيْضاً عِلْماً مِنْهُمْ بِاطِّلَاعِهِ عَلَيْهِمْ وَمُشَاهَدَتِهِ لَهُمْ فَهُمْ يَكْتَفُونَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ عَرَفُوهُ، فَاكْتَفَوْا بِهِ مِنْ بَيْنِ خَلْقِهِ، وَعَامَلُوهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ مُعَامَلَةَ الشَّاهِدِ غَيْرِ الْغَائِبِ، وَهَذَا مَقَامُ الْإِحْسَانِ، قَالَ بَعْضُ الْعَارِفِينَ: مَنْ عَرَفَ اللهَ اكْتَفَى بِهِ مِنْ خَلْقِهِ، وَكَانَ بَعْضُ الْمُخْلِصِينَ يَقُولُ: لَا أَعْتَدُّ بِمَا ظَهَرَ مِنْ عَمَلِي.
أَمَّا السُّؤَالُ الثَّانِي الَّذِي يَطْلُبُهُ الْمُؤْمِنُ: فَهُوَ كَلِمَةُ الْحَقِّ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا يَقُولُ ابْنُ رَجَبٍ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: وَذَلِكَ عَزِيزٌ جِدَّاً، وَقَدْ مَدَحَ اللهُ مَنْ يَغْفِرُ عِنْدَ غَضَبِهِ فَقَالَ: ﴿وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ﴾ [الشورى: 37] لِأَنَّ الْغَضَبَ يَحْمِلُ صَاحِبَهُ عَلَى أَنْ يَقُولَ غَيْرَ الْحَقِّ، وَيَفْعَلَ غَيْرَ الْعَدْلِ، فَمَنْ كَانَ لَا يَقُولُ إِلَّا الْحَقَّ فِي الْغَضَبِ وَالرِّضَا، دَلَّ ذَلِكَ عَلَى شِدَّةِ إِيمَانِهِ وَأَنَّهُ يَمْلِكُ نَفْسَهُ، وَهُوَ الشَّدِيدُ حَقًّا كَمَا قَالَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ» وَلِمُسْلِمٍ: «مَا تَعُدُّونَ ذَا الصُّرَعَةِ فِيكُمْ؟» قُلْنَا: الَّذِي لاَ تَصْرَعُهُ الرِّجَالُ، قَالَ: «لَيْسَ كَذَلِكَ، وَلَكِنَّهُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ» وَقَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: أَوْصِنِي، قَالَ: «لاَ تَغْضَبْ» فَردَّدَ مِرَاراً، قال: «لَا تَغْضَبْ» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ.
وَفِى "الْمُسْنَدِ" أَنَّ رَجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا يُبَاعِدُنِي عَنْ غَضَبِ اللهِ؟ قَالَ: «لَا تَغْضَبْ».
قَالَ مُوَرِّقُ الْعِجْلِيُّ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: مَا قُلْتُ فِي الْغَضَبِ شَيْئاً إِلَّا نَدِمْتُ عَلَيْهِ فِي الرِّضَا.
وَكَانَ ابْنُ عَوْنٍ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: إِذَا اشْتَدَّ غَضَبُهُ عَلَى أَحَدٍ قَالَ: بَارَكَ اللهُ فِيكَ وَلَمْ يَزِدْ.
وَقَالَ الْفُضَيْلُ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: أَنَا مُنْذُ خَمْسِينَ سَنَةً أَطْلُبُ صَدِيقاً إِذَا غَضِبَ لَا يَكْذِبُ عَلَيَّ مَا أَجِدُهُ، فَإِنَّ مَنْ لَا يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ إِذَا غَضِبَ قَالَ فِيمَنْ غَضِبَ عَلَيْهِ: مَا لَيْسَ فِيهِ مِنَ الْعَظَائِمِ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ كَاذِبٌ، وَرُبَّمَا عَلِمَ النَّاسُ بِذَلِكَ وَيَحْمِلُهُ حِقْدُهُ وَهَوَى نَفْسِهِ عَلَى الْإِصْرَارِ عَلَى ذَلِكَ.
وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: الْغَضَبُ مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ.
وَقِيلَ لِابْنِ الْمُبَارَكِ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: اجْمَعْ لَنَا حُسْنَ الْخُلُقِ فِي كَلِمَةٍ، قَالَ: تَرْكُ الْغَضَبِ.
وَقَالَ مَالِكُ بْنُ دِينَارٍ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: مُنْذُ عَرَفْتُ النَّاسَ لَمْ أُبَالِ بِمَدْحِهِمْ وَذَمِّهِمْ، لِأَنِّي لَمْ أَرَ إِلَّا مَادِحاً غَالِياً، أَوْ ذَامَّاً غَالِياً، يَعْنِي: أَنَّهُ لَمْ يَرَ مَنْ يَقْتَصِدُ فِيمَا يَقُولُ فِي رِضَاهُ وَغَضَبِهِ.
أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ وبعدُ:
فَأَمَّا الْمَطْلَبُ الثَّالِثُ فِي هَذَا الدُّعَاءِ فَهُوَ سُؤَالُ اللهِ أَنْ يَرْزُقَكَ الْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى:
لِأَنَّ ذَلِكَ يَنْدُرُ وُجُودُهُ إِلَّا فِي الْخُلَّصِ مِنْ عِبَادِ اللهِ، وَهُوَ حَالُ الرَّسُولِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ كَانَ مُقْتَصِداً فِي حَالِ فَقْرِهِ وَغِنَاهُ.
وَالْقَصْدُ: هُوَ التَّوَسُّطُ فِي الْإِنْفَاقِ، فَإِنْ كَانَ فَقِيراً لَمْ يَقْتُرْ خَوْفاً مِنْ نَفَادِ الرِّزْقِ، وَلَمْ يُسْرِفْ فَيَحْمِلَ مَا لَا طَاقَةَ لَهُ بِهِ، كَمَا أَدَّبَ اللهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ [الإسراء: 29].
وَإِنْ كَانَ غَنِيَّاً لَمْ يَحْمِلْهُ غِنَاهُ عَلَى السَّرَفِ وَالطُّغْيَانِ؛ بَلْ يَكُونُ مُقْتَصِداً أَيْضاً، قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ [الفرقان: 67].
وَإِنْ كَانَ الْمُؤْمِنُ فِي حَالِ غِنَاهُ يَزِيدُ عَلَى نَفَقَتِهِ فِي حَالِ فَقْرِهِ، كَمَا قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: إِنَّ الْمُؤْمِنَ يَأْخُذُ عَنِ اللهِ أَدَباً حَسَناً، إِذَا وَسَّعَ اللهُ عَلَيْهِ وَسَّعَ عَلَى نَفْسِهِ، وَإِذَا ضَيَّقَ عَلَيْهِ، ضَيَّقَ عَلَى نَفْسِهِ، ثُمّ تَلَا قَوْلَهُ تَعَالَى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ [الطلاق: 7].
لَكِنْ يَكُونُ فِي حَالِ غِنَاهِ مُقْتَصِداً غَيْرَ مُسْرِفٍ، كَمَا يَفْعَلُهُ أَكْثَرُ أَهْلِ الْغِنَى الَّذِينَ يُخْرِجُهُمُ الْغِنَى إِلَى الطُّغْيَانِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (6) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: 6-7].
كَانَ عَلِيٌّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ يُعَاتَبُ عَلَى اقْتِصَادِهِ فِي لِبَاسِهِ فِي خِلَافَتِهِ فَيَقُولُ: هُوَ أَبْعَدُ عَنِ الْكِبْرِ وَأَجْدَرُ أَنْ يَقْتَدِيَ بِيَ الْمُسْلِمُ.
وَعُوتِبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ فِي خِلَافَتِهِ عَلَى تَضْيِيقِهِ عَلَى نَفْسِهِ فَقَالَ: إِنَّ أَفْضَلَ الْقَصْدِ عِنْدَ الْجِدَةِ، وَأَفْضَلَ الْعَفْوِ عِنْدَ الْمَقْدِرَةِ، يَعْنِي: أَفْضَلُ مَا اقْتَصَدَ الْإِنْسَانُ فِي عَيْشِهِ وَهُوَ وَاجِدٌ قَادِرٌ.
وَهَذِهِ حَالُ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَخُلَفَائِهِ الرَّاشِدِينَ، لَمْ تُغَيِّرْهُمْ سِعَةُ الدُّنْيَا وَالْمُلْكُ وَلَمْ يَتَنَعَّمُوا فِي الدُّنْيَا.
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ لِبَعِضِ وَلَدِهِ: لَا تَكُنْ مِنَ الَّذِينَ يَجْعَلُونَ مَا أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ بِهِ فِي بُطُونِهِمْ وَعَلَى ظُهُورِهِمْ.
إِشَارَةٌ إِلَى أَنَّ الْمَالَ لَا يُنْفَقُ كُلُّهُ فِي شَهَوَاتِ النُّفُوسِ، وَإِنْ كَانَتْ مُبَاحَةً؛ بَلْ يَجْعَلُ صَاحِبُهُ مِنْهُ نَصِيباً لِدَارِهِ الْبَاقِيَةِ، فَإِنَّهُ لَا يَبْقَى لَهُ مِنْهُ غَيْرُ ذَلِكَ.
عِبَادَ اللهِ: الِاقْتِصَادُ فِي كُلِّ الْأُمُورِ حَسَنٌ حَتَّى فِي الْعِبَادَةِ، وَلِهَذَا نُهِيَ عَنِ التَّشْدِيدِ فِي الْعِبَادَةِ عَلَى النَّفْسِ، وَأُمِرَ بِالِاقْتِصَادِ فِيهَا.
وَقَالَ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «عَلَيْكُمْ هَدْياً قَاصِداً؛ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا».
وَاعْلَمُوا ـ عِبَادَ اللهِ ـ أَنَّ اللهَ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ عَلَى رَسُولِهِ فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].