مكتبـــــة الخطب

2025-12-14 20:34:14

تعظيم البلد الحرام (مكه)

تعظيم البلد الحرام (مكه)

الْحَمْدُ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبَهُ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً.

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ تَعَالَى وَرَاقِبُوهُ، وَاسْلُكُوا كُلَّ طَرِيقٍ يُؤَدِّي بِكُمْ لِتَقْوَاهُ.

عِبَادَ اللهِ: إنَّ اللهَ ـ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ـ قَدْ حَثَّ وَحَضَّ عَلَى تَعْظِيمِ شَعَائِرِهِ، وَيَكْفِي فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ ـ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ـ: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ ﴾ [الحج: 32].

وَقَدْ أُضْيفَتِ التَّقْوَى إِلَى الْقُلُوبِ؛ لِأَنَّ الْقَلْبَ هُوَ مَحَلُّ التَّقْوَى كَمَا قَالَ         ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «التَّقْوَى هَاهُنَا، وَأَشَارَ إِلَى صَدْرِهِ» وَإِذَا خَشَعَ الْقَلْبُ وَاتَّقَى، خَشَعَتْ سَائِرُ الْجَوَارِحِ، كَمَا جَاءَ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَيْضاً، فَشَعَائِرُ اللهِ ـ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ـ لَا يُعَظِّمُهَا إِلَّا مَنْ عَظَّمَ اللهَ وَاتَّقَاهُ، وَعَرَفَهُ ـ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ـ وَقَدَّرَهُ حَقَّ قَدْرِهِ، وَهَذَا أَمْرٌ لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، وَبَيْنَ كُلِّ مَنْ يَقْرَأُ كِتَابَ اللهِ وَسُنَّةَ رَسُولِهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَشَعَائِرُ اللهِ هِيَ: الْمَعَالِمُ الظَّاهِرَةُ مِنْ دِينِهِ، الَّتِي جَعَلَ اللهُ ـ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ـ بَعْضَهَا زَمَانِيَّاُ، وَجَعَلَ بَعْضَهَا مَكَانِيَّاً.

وَمِنَ النَّاسِ ـ أَيُّهَا الْإِخْوَةُ الْمُؤْمِنُونَ ـ مَنْ غَلَا فِي تَعْظِيمِ شَعَائِرِ اللهِ، حَتَّى أَدْخَلَ فِيهَا مَا لَيْسَ مِنْهَا سَوَاءً أَكَانَ تَعْظِيماً لِلْأَمْكِنَةِ، أَمْ تَعْظِيماً لِلْأَزْمِنَةِ.

وَالتَّعْظِيمُ هُوَ التَّقْدِيرُ وَالْإِجْلَالُ الَّذِي يَنْبَعِثُ مِنَ الْقَلْبِ لِأَمْرٍ مَا حِسِّيَّاُ كَانَ أَوْ مَعْنَوِيَّاُ، وَقَدْ يَقْتَرِنُ بِالْمَحَبَّةِ لَهُ وَالْهَيْبَةِ مِنْه، فَالتَّعْظِيمُ يَعْنِي: إِجْلَالَ الْمُعَظَّمِ وَتَقْدِيرَهُ وَإِظْهَارَ تَمَيُّزِهِ عَنْ غَيْرِهِ.

لِذَا كَانَتْ قُرَيْشٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُحَرِّمُونَ أَنْ يَسْكُنُوا مَكَّةَ، وَيُعَظِّمُونَ أَنْ يَبْنُوا بِهَا بَيْتاً، وَكَانُوا يَكُونُونَ بِهَا نَهَاراً، فَإِذَا جَاءَ اللَّيْلُ خَرَجُوا إِلَى الْحِلِّ، وَلَا يَسْتَحِلُّونَ الْجِنَايَةَ بِمَكَّةَ، فَأَذِنَ لَهُمْ قُصَيٌّ أَنْ يَبْنُوا فِي الْحَرَمِ.

وَيُرْوَى أَنَّ أَوَّلَ مَنْ خَلَعَ نَعْلَيْهِ عِنْدَ دُخُولِ الْكَعْبَةِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ الْوَلِيدُ بْنُ الْمُغِيرَةِ، فَخَلَعَ النَّاسُ نِعَالَهُمْ فِي الْإِسْلَام، هَذِهِ مِنْ صُوَرِ تَعْظِيمِ مَكَّةَ الْمُكَرَّمَةِ الَّتِي وَقَعَتْ فِي عَهْدِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَهِيَ نَابِعَةٌ مِنْ تَقْدِيرِ الْعَرَبِ لَهَا وَإِجْلَالِهِمْ لِلْكَعْبَةِ الْمُشَرَّفَةِ وَالْبَيْتِ الْحَرَامِ.

أَيُّهَا النَّاسُ: مِنْ أَعْظَمِ مَا عَظَّمَهُ اللهُ مِنَ الشَّعَائِرِ (مَكَّةُ) وَتَعْظِيمُ مَكَّةَ هُوَ تَقْدِيسُهَا وَإِجْلَالُهَا، وَيَكُونُ ذَلِكَ بِمَسْلَكَيْنِ: شَرْعِيٌّ، وَعُرْفِيٌّ.

فَالْأَوَّلُ: الْمَسْلَكُ الشَّرْعِيُّ، هُوَ اعْتِبَارُ كُلِّ مَا جَاءَ فِي الشَّرْعِ بِخُصُوصِ مَكَّةَ مِنْ أَمْرٍ أَوْ نَهْيٍ أَوْ وَصْفٍ خَاصٍّ، مِثْلُ مَحَبَّةِ مَكَّةَ، وَمُرَاعَاةِ خَصَائِصِهَا، وَتَطْبِيقِ الْأَوَامِرِ فِيهَا ـ فَمَحَبَّةُ مَكَّةَ ـ بِاعْتِبَارِ أَنَّ اللهَ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ وَرَسُولَهُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يُحِبَّانِهَا فَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَدِيٍّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّهُ قَالَ كَمَا فِي "سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ" رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَاقِفاً عَلَى الْحَزْوَرَةِ؛ فَقَالَ: «وَاللَّهِ إِنَّكِ لَخَيْرُ أَرْضِ اللَّهِ وَأَحَبُّ أَرْضِ اللَّهِ إِلَى اللَّهِ، وَلَوْلاَ أَنِّي أُخْرِجْتُ مِنْكِ مَا خَرَجْتُ».

وَمِنْ تَعْظِيمِ مَكَّةَ: مُرَاعَاةُ خَصَائِصِهَا بِاعْتِبَارِ تَمَيُّزِهَا بِهَا عَنْ غَيْرِهَا مِنَ الْبُلْدَانِ، فَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّهُ قَالَ كَمَا فِي "الصَّحِيحَيْنِ" إِنَّ خُزَاعَةَ قَتَلُوا رَجُلاً مِنْ بَنِي لَيْثٍ عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ بِقَتِيلٍ مِنْهُمْ قَتَلُوهُ، فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ.

فَرَكِبَ رَاحِلَتَهُ فَخَطَبَ فَقَالَ: «إِنَّ اللهَ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ حَبَسَ عَنْ مَكَّةَ الْفِيلَ  وَسَلَّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، أَلاَ وَإِنَّهَا لَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلاَ تَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدِي، أَلا وَإِنَّهَا حَلَّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ أَلاَ وَإِنَّهَا سَاعَتِي هَذِهِ حَرَامٌ لاَ يُخْتَلَى شَوْكُهَا، وَلاَ يُعْضَدُ شَجَرُهَا، وَلاَ تُلْتَقَطُ سَاقِطَتُهَا إِلاَّ لِمُنْشِدٍ، فَمَنْ قُتِلَ فَهُوَ بِخَيْرِ النَّظَرَيْنِ إِمَّا أَنْ يُعْطَى (يَعْنِي: الدِّيَةَ) وَإِمَّا أَنْ يُقَادَ أَهْلُ الْقَتِيلِ».

فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ فَقَالَ: اكْتُبْ لِي يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: «اكْتُبُوا لأَبِي فُلاَنٍ» فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ: إِلاَّ الإِذْخِرَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنَّا نَجْعَلُهُ فِي بُيُوتِنَا وَقُبُورِنَا، فَقَالَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «إِلاَّ الإِذْخِرَ إِلاَّ الإِذْخِرَ».

وَمِنْ تَعْظِيمِ مَكَّةَ: تَطْبِيقُ الْأَوَامِرِ فِيهَا بِاعْتِبَارِ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَعْظِيمِ اللهِ أَوَّلاً وَتَعْظِيمُ مَا عَظَّمَهُ ثَانِياً؛ فَقَدْ قَالَ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ كَمَا فِي "صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ": «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللهِ إِلاَّ أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا...» الْحَدِيثُ.

وَأَمَّا النَّوْعُ الثَّانِي مِنْ أَنْوَاعِ التَّعْظِيمِ فَهُوَ الْمَسْلَكُ الْعُرْفِيُّ، وَهُوَ اعْتِبَارُ كُلِّ مَا جَعَلَهُ النَّاسُ مِمَّا لَمْ يَرِدْ فِي الشَّرْعِ مِنْ مَعَانِي التَّعْظِيمِ وَالْإِجْلَالِ لِمَكَّةَ؛ بِشَرْطِ عَدَمِ مُخَالَفَتِهِ الصَّرِيحَةِ لِلنُّصُوصِ، رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنِ الْمُسَوِّرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ ـ رَحِمَهُمَا اللهُ ـ أَنَّهُمَا قَالَا: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ فَذَكَرَا قِصَّةَ الْحُدَيْبِيَةِ بِطُولِهَا، وَفِيهَا: وَسَارَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ حَتَّى إِذَا كَانَ بِالثَّنِيَّةِ الَّتِي يُهْبَطُ عَلَيْهِمْ مِنْهَا بَرَكَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ فَقَالَ النَّاسُ: «حَلْ حَلْ» فَأَلَحَّتْ، فَقَالُوا: خَلأَتِ الْقَصْوَاءُ، خَلأَتِ الْقَصْوَاءُ.

فَقَالَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ «مَا خَلأَتِ الْقَصْوَاءُ، وَمَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ، وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ» ثُمَّ قَالَ: «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لاَ يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللهِ إِلاَّ أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا ... ».

قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: «لَا يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا» يُرِيدُ بِذَلِكَ مُوَافَقَةَ اللهِ فِي تَعْظِيمِ الْحُرُمَاتِ؛ لِأَنَّهُ فَهِمَ عَنِ اللهِ إِبْلَاغَ الْأَعْذَارِ إِلَى مَكَّةَ، فَأَبْقَى عَلَيْهِمْ لِمَا كَانَ سَبَقَ لَهُمْ فِي عِلْمِهِ أَنَّهُمْ سَيَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللهِ أَفْوَاجاً، وَقَوْلُهُ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فِي هَذَا الْحَدِيثِ: «لَا يَسْأَلُونِي خُطَّةً يُعَظِّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللهِ إِلَّا أَعْطَيْتُهُمْ إِيَّاهَا» فِيهِ اعْتِبَارٌ لِمَا تَعَارَفَ عَلَيْهِ النَّاسُ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى التَّعْظِيمِ.

فَكُلُّ مَا اعْتَبَرَهُ النَّاسُ مِنْ تَعْظِيمٍ لَمَكَّةَ وَلَمْ يَكُنْ مُخَالِفَا لِأَصْلٍ شَرْعِيٍّ أَوْ مُنْشِئاً لِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ دُونَ دَلِيلٍ فَهُوَ مِنْ تَعْظِيمِ الشَّعَائِرِ، إِنَّ النَّاسَ إِذَا عَظَّمُوا مَكَّةَ وَالْبَلَدَ الْحَرَامَ يَتَحَقَّقُ لَهُمْ أَمْرَانِ مُهِمَّانِ:

الْأَوَّلُ: الْعَمَلُ بِجَمِيعِ مَا خَصَّتْهُ النُّصُوصُ لِهَذِهِ الْبُقْعَةِ: كَتَحْرِيمِهِا، وَالْأَمْنِ لِمَنْ حَلَّ فِيهَا، وَعِمَارَتِهَا بِالطَّاعَةِ وَالْعِبَادَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْخَصَائِصَ، قالَ ـ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ـ: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: 32] قَالَ ابْنُ عُمَرَ: أَعْظَمُ الشَّعَائِرِ الْبَيْتُ، قَالَ ابْنُ عَاشُورٍ: فَكُلُّ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ بِزِيَارَتِهِ أَوْ بِفِعْلٍ يُوقَعُ فِيهِ فَهُوَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ، أَيْ: مِمَّا أَشْعَرَ اللهُ النَّاسَ، وَقَرَّرَهُ وَشَهَرَهُ وَهِيَ مَعَالِمُ الْحَجِّ: الْكَعْبَةُ، وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةُ، وَعَرَفَةُ، وَالْمَشْعَرُ الْحَرَامُ   وَنَحْوُهَا مِنْ مَعَالِمِ الْحَجِّ.

وَالْأَمْرُ الثَّانِي الَّذِي يُحَصِّلُهُ الْمُسْلِمُ مِنْ تَعْظِيمِ مَكَّةَ: تَعْظِيمُ أَوَامِرِ الْبَارِي       ـ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ـ فَتَعْظِيمُ الْأَوَامِرِ هُوَ الْأَصْلُ لِتَطْبِيقِهَا وَمُرَاعَاتِهَا؛ فَالْمُعَظِّمُ لِمَكَّةَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُعَظِّماً لِشَرْعِ اللهِ وَأَمْرِهِ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ.

وَقَدْ جَاءَ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ [الحج: 32] أَنَّ مِنْ تَعْظِيمِ شَعَائِرِ اللهِ تَعْظِيمُ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ.

قَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: شَعَائِرُ اللهِ جَمِيعُ مَا أَمَرَ اللهُ بِهِ وَنَهَى عَنْهُ.

وَقَالَ ابْنُ كَثِيرٍ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ [الحج: 32] أَيْ: أَوَامِرُهُ.

فَتَعْظِيمُ شَعَائِرِ اللهِ صَادِرٌ مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ، فَالْمُعَظِّمُ لَهَا يُبَرْهِنُ عَلَى تَقْوَاهُ وَصِحَّةِ إِيمَانِهِ؛ لِأنَّ تَعْظِيمَهَا تَابِعٌ لِتَعْظِيمِ اللهِ سُبْحَانَهُ وَإِجْلَالِهِ.

أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ.

الْحَمْدُ للهِ حَقَّ حَمْدِهِ، أَفْضَلَ مَا يَنْبَغِي لِجَلَالِ وَجْهِهِ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْهِ، هُوَ كَمَا أَثْنَى عَلَى نَفْسِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ، وَسَلَّم تَسْلِيماً كَثِيراً.

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ حَقَّ التَّقْوِى، وَإِنَّ مِنْ تَعْظِيمِ الشَّعَائِرِ الَّذِي أَمَرَ اللهُ بِهَا لِمَكَّةَ أَنْ يَكُونَ الْحَجُّ للهِ تَعَالَى لَيْسَ لِأَحَدٍ فِيهِ شَرِيكٌ، لَا تَمْنَعُهُ شِعَارَاتٌ سِيَاسِيَّةٌ وَلَا رَغْبَاتٌ حِزْبِيَّةٌ، وَلِذَلِكَ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: 196].

وَقَوْلُهُ: ﴿لِلَّهِ﴾ أَيْ: لِأَجْلِ اللهِ وَعِبَادَتِهِ، وَالْعَرَبُ مِنْ عَهْدِ الْجَاهِلِيَّةِ لَا يَنْوُونَ الْحَجَّ إِلَّا للهِ وَلَا الْعُمْرَةَ إِلَّا لَهُ؛ لِأَنَّ الْكَعْبَةَ بَيْتُ اللهِ وَحَرَمُهُ، فَالتَّقْيِيدُ هُنَا بِقَوْلِهِ ﴿لِلَّهِ﴾ تَلْوِيحٌ إِلَى أَنَّ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لَيْسَا لِأَجْلِ الْمُشْرِكِينَ، وَإِنْ كَانَ لَهُمْ فِيهِمَا مَنْفَعَةٌ وَكَانُوا هُمْ سَدَنَةَ الْحَرَمِ، وَهُمُ الَّذِينَ مَنَعُوا الْمُسْلِمِينَ مِنْهُ، كَيْ لَا يَسْأَمَ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْحَجِّ الَّذِي لَاقَوْا فِيهِ أَذَى الْمُشْرِكِينَ، فَقِيلَ لَهُمْ إِنَّ ذَلِكَ لَا يَصُدُّ عَنِ الرَّغْبَةِ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ لِأَنَّكُمْ إِنَّمَا تَحُجُّونَ للهِ لَا لِأَجْلِ الْمُشْرِكِينَ.

وَلِأَنَّ الْحَجَّ للهِ لَمْ يَحُجَّ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ حَتَّى بَعَثَ عَلِيَّاً            ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ ثُمَّ أَبَا بَكْرٍ حَتَّى طَهَّرَا مَكَّةَ مِنْ كُلِّ مَظَاهِرِ الشِّرْكِ، لِيَكُونَ الْحَجُّ بَعْدَ ذَلِكَ خَالِصاً للهِ، فَنَادَى أَبُو بَكْرٍ لَا يَحُجُّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانُ.

وَمِنْ ذَلِكَ الْحِينِ وَالنَّاسُ إِنَّمَا يَحُجُّونَ للهِ يُرِيدُونَ مَا عِنْدَ اللهِ، فَكُلُّ مَنْ سَمْعْتُمُوهُ يُخَالِفُ هَذَا الْمَقْصِدَ وَيَدْعُو إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الشِّعَارَاتِ، فَاعْلَمُوا أَنَّهُ قَدْ خَالَفَ أَمْرَ اللهِ، وَخَالَفَ تَعْظِيمَ الشَّعَائِرِ.

وَمِنْ صُوَرِ عَدَمِ تَعْظِيمِ الْبَيْتِ الْحَرَامِ قَصْدُ بَعْضِ الْأَمَاكِنِ بِالزِّيَارَةِ لِلتَّعَبُّدِ بِالصَّلَاةِ وَالدُّعَاءِ وَالتَّبَرُّكِ وَغَيْرِهَا، وَلَمْ يَكُنِ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يَقْصِدُهَا، أَوِ اعْتِقَادُ الْبَرَكَةِ فِي شَيْءٍ لَمْ يَرِدْ عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أَنَّهُ مُبَارَكٌ.

كَالتَّبَرُّكِ بِالْمَاءِ الَّذِي تُغْسَلُ بِهِ الْكَعْبَةُ وَالِاسْتِحْمَامِ بِهِ، وَالتَّبَرُّكِ بِثَوْبِ الْكَعْبَةِ بِأَخْذِ قِطْعَةٍ مَنْ قُمَاشِهَا الَّذِي كُسِيَتْ بِهِ وَالِاحْتِفَاظِ بِهَا، وَالِاسْتِشْفَاءِ بِهَا، أَوْ بِالِاعْتِدَاءِ عَلَيْهِ بِالْقَصِّ وَالتَّقْطِيعِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنِ اعْتِقَادَاتٍ، أَوْ أَفْعَالٍ لَمْ يَرِدْ بِهَا دَلِيلٌ.

فَاتَّقُوا اللهَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ وَحَقِّقُوا التَّوْحِيدَ لَهُ بِتَعْظِيمِ دِينِهِ وَشَعَائِرِهِ، ثَمَّ اعْلَمُوا أَنَّ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ الصَّلَاةَ عَلى مُحَمَّدٍ ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].

 


📄 اضغط لمشاهدة الملف

خطب ذات صلة