مكتبـــــة الخطب

2025-12-14 20:30:04

حقوق العباد يوم القيامة

حقوق العباد يوم القيامة

الْحَمْدُ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبَهُ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً.

أَمَّا بَعْدُ: فَأُوصِي نَفْسِيَ الْمُقَصِّرَةَ وَإِيَّاكُمْ بِتَقْوَى اللهِ ـ سُبْحانَهُ وَتَعَالَى ـ يَقُولُ الرَّبُّ ـ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ـ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا﴾ [الأحزاب: 58].

وَيَقُولُ الرَّسُولُ الْكَرِيمُ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ لَا يَظْلِمُهُ، وَلَايَخْذُلُهُ، وَلَا يَحْقِرُهُ، التَّقْوَى هَاهُنَا ـ وَأَشَارَ إِلَى صَدْرِهِ ثَلَاثاً ـ بِحَسْبِ امْرِئٍ مِنَ الشَّرِّ أَنْ يَحْقِرَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ، كُلُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ حَرَامٌ، دَمُهُ وَعِرْضُهُ وَمَالُهُ».

عِبَادَ اللهِ: لَقَدْ كَرَّمَ اللهُ ـ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ـ هَذَا الْإِنْسَانَ، وَفَضَّلَهُ عَلَى سَائِرِ الْمَخْلُوقَاتِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾ [الإسراء: 70].

وَإِذَا كَانَ هَذَا الْإِنْسَانُ مُسْلِماً، وَكَانَ مُؤْمِنًا زَادَتْ كَرَامَتُهُ، وَعَظُمَتْ مَكَانَتُهُ وَتَأَكَّدَتْ حُقُوقُهُ.

فَهَذَا الْحَبِيبُ الْمُصْطَفَى مُحَمَّدٌ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يَنْظُرُ إِلَى الْكَعْبَةِ الْمُشَرَّفَةِ ـ زَادَهَا اللهُ تَعْظِيماً وَتَشْرِيفاً ـ الَّتِي يَتَوَجَّهُ إَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ مِنْ كُلِّ أَقْطَارِ الدُّنْيَا خَمْسَ مَرَّاتٍ فِي الْيَوْمِ يَنْظُرُ إِلَيْهَا الرَّسُولُ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَيَقُولُ: «مَا أَعْظَمَكِ! وَمَا أَشَدَّ حُرْمَتَكِ! وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَلْمُؤْمِنُ أَشَدُّ حُرْمَةً عِنْدَ اللهِ تَعَالَى مِنْكِ» وَهُوَ الْقَائِلُ ـ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ـ: «لَزَوَالِ الدُّنْيَا أَهْوَنُ عَلَى اللِه مِنْ قَتْلِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ».

وَهُوَ الَّذِي وَقَفَ يَوْمَ عَرَفَةَ يُخَاطِبُ أَكْثَرَ مِنْ مِائَةِ أَلْفٍ مِنْ أُمَّتِهِ قَائِلًا: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ، وَأَمْوَالَكُمْ، وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا».

وَلِذَلِكَ لمَاَّ عَرَفَ الرَّسُولُ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ هَذِهِ الْحُقُوقَ الْعَظِيمَةَ لِلْعِبَادِ خَافَ أَنْ يَلْقَى اللهَ ـ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ـ وَفِي ذِمَّتِه شَيْءٌ لِعَبْدٍ مِنْ عَبِيدِ اللهِ فَقَامَ ـ عَلَيْهِ السَّلاَمُ ـ وَهُوَ فِي مَرَضِ الْمَوْتِ خَطِيباً فِي النَّاسِ قَائِلاً: «أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ كُنْتُ جَلَدْتُ لَهُ ظَهْرَا فَهَذَا ظَهْرِي فَلْيَسْتَقِدْ مِنِّي الْيَوْمَ ـ أَيْ: فَلْيَقْتَصَّ مِنِّي الْيَوْمَ ـ وَمَنْ كُنْتَ شَتَمْتُ لَهُ عِرْضاً فَهَذَا عِرْضِي فَلْيَسْتَقِدْ مِنِّي الْيَوْمَ، وَمَنْ كُنْتُ أَخَذْتُ لَهُ مَالاً فَهَذَا مَالِي فَلْيَسْتَقِدْ مِنِّي الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ لا يَكُونَ هُنَاكَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ».

وَلَمَّا غَلَا السِّعْرً فِي الْمَدِينَةِ وَجَاءَ النَّاسُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، غَلَا السِّعْرُ فَسَعِّرْ لَنَا، قَالَ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ «إِنَّ اللهَ هُوَ الْمُسَعِّرُ، الْقَابِضُ، الْبَاسِطُ، الرَّازِقُ، وَإِنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَلْقَى اللهَ تَعَالَى وَلَيْس أَحَدٌ مِنْكُمْ يَطْلُبُنِي بِمَظْلَمَةٍ فِي دَمٍ وَلَا مَالٍ».

وَلِذَلِكَ أَيْضاً يَقُولُ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ مُوصِياً أُمَّتَهُ كَمَا فِي "الصَّحِيحِ" مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ: «مَنْ كَانَتْ لَهُ مَظْلَمَةٌ لِأَخِيهِ مِنْ عِرْضِهِ أَوْ شَيْءٍ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهُ الْيَوْمَ قَبْلَ أَنْ لَا يَكُونَ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، إِنْ كَانَ لَهُ عَمَلٌ صَالِحٌ أُخِذَ مِنْهُ بِقَدْرِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ صَاحِبِهِ فَحُمِلَ عَلَيْهِ».

وَيَجْلِسُ الرَّسُولُ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ مَعَ صَحَابَتِهِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم ـ فَيَقُولُ لَهُمُ الرَّسُولُ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «أَتَدْرُونَ مَنِ الْمُفْلِسُ؟» قَالُوا: الْمُفْلِسُ فِينَا مَنْ لَا دِرْهَمَ لَهُ وَلَا مَتَاعَ، فَقَالَ: «إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاٍة وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي وَقَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَل مَالَ هَذَا وَسَفَكَ دَمَ هَذَا، وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ، أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ».

مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ: حُقُوقُ الْعِبَادِ عَظِيمَةٌ عَظْيمَةٌ، وَأَذِيَّةُ الْعِبَادِ مِنْ أَعْظَمِ الذُّنُوبِ الَّتِي لَا يَغْفِرُهَا اللهُ ـ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ـ فَاللهُ ـ جَلَّ وَعَلَا ـ قَدْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ الَّتِي بَيْنَ الْعَبْدِ وَرَبِّهِ، فَحُقُوقُ اللهِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمُسَامَحَةِ، أَمَّا حُقُوقُ الْعِبَادِ فَلَا تُغْفَرُ، فَهِيَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْمُشَاحَّةِ.

تَقُولُ عَائِشَةُ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا ـ فِيمَا تَرْوِيهِ عَنْ رَسُولْ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أَنَّهُ قَالَ: «الدَّوَاوِينُ ثَلَاثَةٌ: دِيوَانٌ لَا يَغْفِرُهُ اللهُ: الْإِشْرَاكُ بِاللهِ، يَقُولُ اللهُ      ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: 48] وَدِيوَانٌ لَا يَتْرُكُ مِنْهُ شَيْئاً: ظُلْمُ الْعِبَادِ فِيمَا بَيْنَهُمْ حَتَّى يَقْتَصَّ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ، وَدِيوَانٌ لَا يَعْبَأُ اللهُ بِهِ: ظُلْمُ الْعِبَادِ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللهِ، فَذَاكَ إِلَى اللهِ: إِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ، وَإِنْ شَاءَ تَجَاوَزَ عَنْهُ».

فَلْنَتَّقِ اللهَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ، وَلْنَحْذَرْ مِنْ أَذِيَّةِ الْعِبَادِ، مَرِضَتْ امْرَأَةٌ وَرُفِعَ أَمْرُهَا إِلَى رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَقِيلَ: يَا رَسُولُ اللهِ، إِنَّ فُلَانَةَ تُصَلِّي اللَّيْلَ وَتَصُومُ النَّهَارَ، وَتُؤْذِي جِيرَانَهَا بِلِسَانِهَا، فَقَالَ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «لَا خَيْرَ فِيهَا، هِيَ فِي النَّارِ».

الشَّهِيدُ ـ يَا عِبَادَ اللهِ ـ الَّذِي قَدَّمَ رُوحَهُ للهِ، وَأَرَاقَ دَمَهُ فِي سَبِيلِ اللهِ، لَوِ اسْتُشْهِدَ وَفِي ذِمَّتِهِ شَيْءٌ لِعَبْدٍ مِنْ عَبِيدِ اللهِ، فَإِنَّهُ يُحْبَسُ، وَيُرْهَنُ عَنِ النَّعِيمِ فِي قَبْرِهِ، حَتَّى يُؤَدِّى الدَّيْنَ الَّذِي عَلَيْهِ.

وَلِذَلِكَ لَمَّا مَاتَ أَحَدُ الصَّحَابَةِ، وَكَانَ عَلَيْهِ دِينَارَانِ، قَالَ الرَّسُولُ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لِصَحَابَتِهِ: «مَنْ يَتَحَمَّلُ الدِّينَارَيْنِ عَنْهُ؟» فَتَحَمَّلَهَا أَبُو قَتَادَةَ رضي الله ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ وَقَالَ: هِيَ عَلَيَّ يَا رَسُولَ اللهِ، قَالَ أَبُو قَتَادَةَ: فَمَا زَالَ يَلْقَانِي رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَيُذَكِّرُنِي َويَقُولُ: «أَدَّيْتَ عَنْهُ» فَأَقُولُ: لَا بَعْدُ، حَتَّى لَقِيَنِي يَوْماً فَقَالَ: «أَدَّيْتَ عَنْهُ؟» فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «الْآنَ بَرَدَتْ جِلْدَتُهُ».

مَعَاشِرَ الْمُؤْمِنِينَ الْمُوَحِّدِينَ: رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ مُحَمَّدٌ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يَنْفِي كَمَالَ الْإِسْلَامِ وَالْإِيمَانِ عَنْ كُلِّ مَنْ أَصَرَّ عَلَى أَذِيَّةِ الْعِبَادِ، فَيَقُولُ   ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ».

فَلَا يَكُونُ الْمُسْلِمُ مُسْلِماً حَقَّاً إِلَّا إِذَا سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَيَقُولُ أَيْضاً ـ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ـ: «وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللهِ لَا يُؤْمِنُ، وَاللهُ لَا يُؤْمِنُ» قِيلَ: مَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «مَنْ لَا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ» أَيْ: غَوَائِلُهُ وَأَذِيَّتُهُ، وَيَقُولُ أَيْضاً ـ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ـ: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى يُحِبَّ لِأَخِيهِ مَا يُحِبُّهُ لِنَفْسِهِ».

ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الرَّسُولَ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: «يُغْفَرُ لِلشَّهِيدِ كُلُّ ذَنْبٍ إِلَّا الدَّيْنَ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَبِنَاءً عَلَى مَا سَبَقَ قَرَّرَ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنَّ حُقُوقَ الْعِبَادِ لَا تَسْقُطُ بِالتَّوْبَةِ، وَكَذَلِكَ لَا تَسْقُطُ حُقُوقُ الْعِبَادِ بِالشَّهَادَةِ فِي سَبِيلِ اللهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ.

قَالَ النَّوَوِيُّ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: وَأَمَّا قَوْلُهُ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: إِلَّا الدَّينَ، فَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى جَمِيعِ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ، وَأَنَّ الْجِهَادَ وَالشَّهَادَة وَغَيْرَهُمَا مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ لَا يُكَفِّرُ حُقُوقَ الْآدَمِيِّينَ، وَإِنَّما يُكَفِّرُ حُقُوقَ اللهِ تَعَالَى.

وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيَةَ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: وَأَمَّا حَقُّ الْمَظْلُومِ فَلَا يَسْقُطُ بِمُجَرَّدِ التَّوْبَةِ، وَهَذَا حَقٌّ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْقَاتِلِ وَسَائِرِ الظَّالِمِينَ.

فَمَنْ تَابَ مِنْ ظُلْمٍ لَمْ يَسْقُطْ بِتَوْبَتِهِ حَقُّ الْمَظْلُومِ، لَكِنْ مِنْ تَمَامِ تَوْبَتِهِ أَنْ يُعَوِّضَهُ بِمِثْلِ مَظْلَمَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يُعَوِّضْهُ فِي الدُّنْيَا فَلَا بُدَّ لَهُ مِنَ الْعِوَضِ فِي الْآخِرَةِ.

فَاتَّقُوا اللهَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ وَأَصْلِحُوا مَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ اللهِ وَمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الْخَلْقِ لِتَسْعَدُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَإِنَّ سَعَادَةَ الدُّنْيَا تَزُولُ، فَجَهِّزُوا لِسَعَادَةِ الْآخِرَةِ.

أَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ.

الْحَمْدُ للهِ حَقَّ حَمْدِهِ، أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ الْمُوَفَّقَ مَنْ عَوَّدَ نَفْسَهُ مُرَاقَبَةَ اللهِ تَعَالَى بِلُزُومِ تَقْوَاهُ وَالْخَوْفِ مِنْهُ، فَإِنَّ التّقْوَى سِلَاحٌ لِلْمُؤْمِنِ تِجَاهَ كُلِّ مُنَغِّصٍ عَلَيْهِ دِينَهُ أَوْ عَمَلَهُ، فَاتَّقُوا اللهَ تَعَالَى حَقَّ التَّقْوَى، ثُمَّ اعْلَمُوا أَنَّ الْحِسَابَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَهُ قَوَاعِدُ وَضَوَابِطُ:

فَمِنْ أَشَدِّهَا وَأَوْكَاهَا: أَنَّ أَوَّل مَا يُقْتَصُّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْنَ النَّاسِ فِي الدِّمَاءِ، يَقُولُ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ فِي الدِّمَاءِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيًّ.

الْقَتْلُ، وَالْجِرَاحَاتُ، وَالْقَاتِلُ يَذْهَبُ بِرَأْسِهِ وَرَأْسُهُ يَشْخَبُ دَمًا وَيَدُهُ مُمْسِكَةٌ بِالْقَاتِلِ إِلَى الرّحْمَنِ، يَقُولُ: يَا رَبِّ انْظُرْ هَذَا فِيمَ قَتَلَنِي.

أَمَّا أَوَّلُ مَا يُقْضَى فِي الْعِبَادِ فِي الْعِبَادَاتِ فِي الصَّلَاةِ، فَقَالَ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «إِنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلاَتُهُ، فَإِنْ صَلُحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ، وَإِنْ فَسَدَتْ فَقَدْ خَابَ وَخَسِرَ، فَإِنِ انْتَقَصَ مِنْ فَرِيضَتِهِ شَيْءٌ قَالَ الرَّبُّ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ: انْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ فَيُكَمَّلَ بِهَا مَا انْتَقَصَ مِنَ الْفَرِيضَةِ، ثُمَّ يَكُونُ سَائِرُ عَمَلِهِ عَلَى ذَلِكَ»[رواه الترمذي413].

إِذَنْ هُنَاكَ تَعْوِيضٌ، الْوَاجِبُ إِذَا أَخَلَّ بْهِ الْعَبْدُ فَيَنْظُرُ هَلْ هُنَاك سُنَّةٌ وَنَافِلَةٌ عَمَلَهَا لِيُكَمِّلَ بِهَا نَقْصَ الْفَرِيضَةِ، يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا لِهَذَا.

وَهَكَذَا الصِّيَامُ لَمَّا يُخِلَّ فِي رَمَضَانَ بِشَيْءٍ، وَيَخْرِقَ صِيَامَهُ بِمُحَرَّمَاتٍ يُكَمَّلُ مِنْ نَوَافِلِ الصِّيَامِ، وَهَكَذَا الزَّكَاةُ لَوْ أَخَلَّ مِنْهَا بِشَيْءٍ تُكَمَّلُ مِنْ نَوَافِلِ الصَّدَقَةِ وَهَذَا يُبَيِّنُ أَهَمِّيَّةَ النَّوافِلِ يَا عِبَادَ اللهِ.

أَمَّا الْقِصَاصُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْنَ الْعِبَادِ فَبِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ، لَيْسَ هُنَاكَ أَمْوَالٌ، وَلَا مَتَاعٌ: «إِنَّ الْمُفْلِسَ مِنْ أُمَّتِي مَنْ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ: بِصَلَاٍة، وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، وَيَأْتِي وَقَدْ شَتَمَ هَذَا، وَقَذَفَ هَذَا، وَأَكَل مَالَ هَذَا، وَسَفَكَ دَمَ هَذَا وَضَرَبَ هَذَا، فَيُعْطَى هَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، وَهَذَا مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ فَنِيَتْ حَسَنَاتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْضَى مَا عَلَيْهِ، أُخِذَ مِنْ خَطَايَاهُمْ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ، ثُمَّ طُرِحَ فِي النَّارِ» [رواه مسلم2581]رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

التَّقْصِيرُ فِي الْعِبَادَاتِ يُعَوِّضُهُ النَّوَافِلُ وَالْحَسَنَاتُ الْأُخْرَى، أَمَّا التَّقْصِيرُ فِي حُقُوقِ النَّاسِ فَبِمَ تُعَوِّضُونَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الْقَاتِلُ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِرَأْسِهِ يَقُولُ: يَا رَبِّ سَلْ هَذَا فِيمَ قَتَلَنِي؟ فَمَا جَوَابُ الْخَوَارِجِ الَّذِينَ سَفَكُوا دِمَاءَ أَهْلِ التَّوْحِيدِ فِي الْمَسَاجِدِ، وَالشَّوَارِعِ وَالْبُيُوتِ؟

وَمَا جَوَابُ أَهْلِ التَّنْظِيمَاتِ الْفَاسِدَةِ وَالْجَمَاعَاتِ الْمُنْحَرِفَةِ إِذَا وَقَفُوا بَيْنَ يَدَيِ اللهِ؟

وَالنَّاسُ يَحْمِلُونَ رُؤُوسَهُمْ وَجُرُوحَهُمْ تَثْعَبُ دَماً، سَلْ هَؤُلِاءِ فِيمَ قَتَلُونَا، سَلْ هَؤُلَاءِ فِيمَ ثَوَّرُوا الْحُكَّامَ عَلَيْنَا فَسُفِكَتْ دِمَاؤُنَا عَبَثًا؟

مَا أَصْعَبَ الْوَضْعَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ وَمَا أَشَدَّ السُّؤَالَ، وَمَعَ ذَلِكَ لَا يَزَالُ بَعْضُهُمْ يَتَهَوَّكُ فِي دِمَاءِ النَّاسِ إِنْ صَرَاحَةً بِفِعْلِهِ وَقَوْلِهِ، أَوْ مَآَلًا بِتَكْفِيرِهِ كُلَّ مَنْ خَالَفَهُ، أَوْ وَصَفَهُ بِصِفَاتِ الْمُكَفَّرِينَ لِيَعْمِدَ السُّفَهَاءُ وَالْخَوَارِجُ إِلَى قَتْلِ النَّاسِ بِسَبَبِهِ،   فَيَا وَيْلَهُمْ مِنَ اللهِ إِذَا وُقِفُوا بَيْنَ يَدَيْهِ.

الَّلهُمَّ صَلِّ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَارْضَ الَّلُهمَّ عَنْ صَحَابَتِهِ أَجْمَعِينَ.

 


📄 اضغط لمشاهدة الملف

خطب ذات صلة