الْحَمْدُ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبَهُ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً.
أَمَّا بَعْدُ: فَيَا عِبَادَ اللهِ، أُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ الْعَظِيمِ وَطَاعَتِهِ، وَأُحَذِّرُكُمْ وَبَالَ عِصْيَانِهِ وَمُخَالَفَةَ أَمْرِهِ، وَأُذَكِّرُكُمْ وَنَفْسِي بِحُقُوقِهِ وَحُقُوقِ خَلْقِهِ الَّتِي افْتَرَضَهَا اللهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ وَعَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ.
إِنَّ دِينَنَا الَّذِي ارْتَضَاهُ اللهُ تَعَالَى لَنَا مَنْهَجاً رَشَداً، يَجْمَعُ بَيْنَ الْحُقُوقِ وَالْوَاجِبَاتِ وَلَا يَذْهَبُ فِيهِ سُدًى شَيْءٌ مِنَ الصَّالِحَاتِ، وَلَا رَيْبَ فِي أَنَّ الْحُقُوقَ تَجِبُ عَلَى الْعِبَادِ بِإِيجَابِ الشَّارِعِ الْحَكِيمِ، أَمَّا فِي حَقِّهِ تَعَالَى فَلَا شَيْءِ يَجِبُ عَلَيْهِ إِلَّا مَا أَوْجَبَهُ عَلَى نَفْسِه تَفَضُّلاً مِنْهُ وَمِنَّةً.
وَمِنْ جَوَامِعِ الْكَلِمِ، وَفَصْلِ الْخِطَابِ فِي بَيَانِ مُجْمَلِ الْحُقُوقِ، وَأَوْجَبِ الْوَاجِبَاتِ مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا، وَالَّلفْظُ لِمُسْلِمٍ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ قَالَ: كُنْتُ رِدْفَ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ إِلَّا مُؤَخِّرَةُ الرِّحْلِ.
فَقَالَ: «يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَل» ئقُلْتُ: لَبَّيْكَ ـ رَسُولَ اللهِ ـ وَسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ: «يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ» قُلْتُ: لَبَّيْكَ ـ رَسُولَ اللهِ ـ وَسَعْدَيْكَ، ثُمَّ سَارَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ: «يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ» قُلْتُ: لَبَّيْكَ ـ رَسُولَ اللهِ ـ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ «هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ اللهِ عَلَى الْعِبَادِ؟» قَالَ: قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «حَقُّ اللهِ عَلِى الْعِبَادِ أَنْ يَعْبُدُوهُ وَلَا يُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً» ثُمَّ سَارَ سَاعَةً، فَقَالَ: «يَا مُعَاذُ» قُلْتُ: لَبَّيْكَ ـ رَسُولَ اللهِ ـ وَسَعْدَيْكَ، قَالَ: «هَلْ تَدْرِي مَا حَقُّ الْعِبَادِ عَلَى اللِه إِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ؟» قُلْتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: «أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ».
عِبَادَ اللهِ: إِنَّ تَوْحِيدَ اللهِ تَعَالَى بِمَا أَوْجَبَ تَوْحِيدَهُ بِهِ فِي أَفْعَالِهِ، وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَعِبَادَةِ خَلْقِهِ، أَوَجَبُ الْوَاجِبَاتِ، وَأَهَمُّ الْمُهِمَّاتِ الَّتِي عَلَيْهَا مَدَارُ الْفَوْزِ وَالنَّجَاةِ فِي الْحَيَاةِ وَبَعْدَ الْمَمَاتِ.
وَلِهَذَا كَثُرَ النَّكِيرُ عَلَى مَنْ وَقَعَ فِي الشِّرْكِ الْمُنَافِي لِتَوْحِيدِ رَبِّ الْبَرِيَّاتِ وَآذَنَ اللهُ تَعَالَى الْمُشْرِكِينَ بِالْإِيَاسِ مِنَ الْمَغْفِرَةِ وَدُخُولِ الْجَنَّاتِ، قَالَ تَعَالَى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: 116].
وَمِنْ عَدْلِهِ الْمُطْلَقِ ـ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ـ أَنْ لَا يَضِيعَ شَيْئاً مِنْ حُقُوقِ الْعِبَادَ حَتَّى يَقْتَصَّ لِصَاحِبِهَا، أَوْ يُرْضِيَهُ بِرَفْعِ دَرَجَاتِهِ، أَوْ تَكْفِيرِ سَيِّئَاتِهِ، فَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ، وَلَا يَرْضىَ الظُّلْمَ بَيْنَ الْعَبِيدِ، بَلْ يَقُولُ لِمَنْ دَعَا عَلَى ظَالِمهِ: «وَعِزَّتِي وَجَلَالِي، لَأَنْصُرَنَّكَ وَلَوْ بَعْدَ حِينٍ».
كَمَا رُويَ ذَلِكَ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ خَيْرِ الْبَشَرِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَإِنْ بَرِئَتْ ذِمَّتُكَ مِنَ التَّفْرِيطِ فِي جَنْبِ اللهِ، وَسَلِمْتَ مِنَ الْوُقُوعِ فِي الشِّرْكِ بِاللهِ، فَحَذَارِ حَذَارِ مِنَ الاِسْتِطَالَةِ فِي حُقُوقِ الْعِبَادِ أَوِ التَّقْصِيرِ فِيمَا أَوَجَبَ اللهُ عَلَيْكَ صَرْفَهُ لَهُمْ، فَإِنَّكَ مَوْقُوفٌ وَمُحَاسَبٌ عَنْ كُلِّ اقْتِرَافٍ أَوْ مُجَانَبَةٍ لِلَحَقٍ وَالْإِنْصَافِ.
نَعَمْ ـ يَا عِبَادِ اللهِ ـ إِنَّ حُقُوقَ الْعِبَادِ لَا يَسْتَهِينُ بِهَا إِلَّا غِرٌّ مَغْبُونٌ جَاهِلٌ بِالْعَوَاقِبِ وَالْخَوَاتِيمِ، أَمَّا مَنِ اصْطَفَاهُ اللهُ وَتَوَلَّاهُ وَوَفَّقَهُ لِمَا فِيهِ رِضَاهُ فَلَا يُفَرِّطُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا، وَأَقَلُّهَا مَا جَاءَ التَّأْكِيدُ عَلَيْهِ فِي السُّنَّةِ تَخْصِيصاً، وَهُوَ حَقُّ الْمُسْلِمِ الْمُتَعَيِّنُ الْأَدَاءِ عَلَى الْمُسْلِمِ.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ «حَقًّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ خَمْسٌ: رَدُّ السَّلَامِ، وَعِيَادَةُ الْمَرِيضِ، وَاتِّبَاعُ الْجَنَائِزِ وَإِجَابَةِ الدَّعْوَةِ، وَتَشْمِيتُ الْعَاطِسِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَفِي رِوَايَةٍ فِي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ": «حَقُّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتٌّ: إِذَا لَقِيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيْهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ، وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وَإِذَا عَطِسَ فَحَمِدَ اللهَ فَشَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْهُ» وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ هَذِهِ زِيَادَاتٌ وَقُيُودٌ هَامَّةٌ فِي التَّعَامُلِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ:
أَوَّلُهَا: زِيَادَةُ حُقُوقِ الْمُسْلِمِ عَدَداً، وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْعَدَدَ الْمَذْكُورَ يُفِيدُ مُرَاعَاةَ حَالِ السَّائِلِ وَلَيْسَ الِاقْتِصَارَ عَلَى مَا ذُكِرَ.
وَثَانِيهَا: الْأَمْرُ بِالسَّلَامِ مُطْلَقاً عَلَى مَنْ يَلْقَاهُ الْمُسْلِمُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ وَلَيْس مُجَرَّدَ رَدِّ السَّلَامِ عَلَى مَنِ ابْتَدَأَهُ بِهِ، لِمَا فِي إِفْشَاءِ السَّلَامِ مِنْ إِشَاعَةِ الْمَحَبَّةِ وَالْأُلْفَةِ بَيْنَ أَفْرَادِ الْمُجْتَمَعِ، فَقَدْ ثَبَتَ فِي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ" مِنْ حَدِيثٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: «لَا تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ حَتَّى تَحَابُّوا، أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى أَمْرٍ إِذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ».
وَثَالِثُهَا: إِيجَابُ إِسْدَاءِ النَّصِيحَةِ لِمَنْ يَحْتَاجُهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ؛ لِأَنَّ الدِّينَ النَّصِيحَةُ، وَمِنَ النَّصِيحَةِ الْوَاجِبَةِ مُنَاصَحَةُ الْمُبْتَدِعِ، وَالرَّدُّ عَلَى الْمُخَالِفِ بِمَا يَرُدُّهُ إِلَى الْحَقِّ، وَلَا يَزِيدُهُ نُفْرَةً مِنْهُ وَبُعْداً عَنْهُ، وَقَدْ دَأَبَ السَّلَفُ عَلَى مُنَاظَرَةِ الْمُخَالِفِينَ فِي أُصُولِ الدِّينِ، وَفُرُوعِهِ، وَأَطْرِهِمْ عَلَى الْحَقِّ أَطْراً بِالْحُجَّةِ وَالْبَيَانِ لَيْسَ غَيْرَ.
وَالنَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - قَالَ: «الدِّينُ النَّصِيحَةُ» فَقَالَ الصَّحَابَةُ: لِمَنْ يَا رَسُولَ اللهِ؟ فَقَالَ: «للهِ، وَلِكِتَابِهِ، وَلِرَسُولِهِ، وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ» فَمَنْ خَالَفَ وَلِيَّ أَمْرِهِ مَا نَصَحَ لَهُ، وَمَنْ آذَى النَّاسَ وَاعْتَدَى عَلَيْهِمْ مَا نَصَحَ لِلْعَامَّةِ.
رَابِعُهَا: يُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا النَّصِّ الشَّرِيفِ تَقْيِيدُ إِيجَابِ تَشْمِيتِ الْعَاطِسِ بِحَمْدِهِ للهِ تَعَالَى.
فَإِنْ قَالَ بَعْدَ عُطَاسِهُ: الْحَمْدُ للهِ، قِيلَ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللهُ وُجُوباً عَلَى الْكِفَايَةِ وَيَتَعَيَّنُ عَلَيْهَا بَعْدَهَا أَنْ يَدْعُوَ لِنَفْسِهِ وَلِمُشْمِّتِهِ بِمَا جَاءَ فِي السُّنَّةِ كَقَوْلِهِ: يَهْدِيكُمِ اللهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ.
خَامِسُهَا: أَنَّ حُقُوقَ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ شَامِلَةٌ لِحَالِ قُوَّتِهِ وَحَالِ ضَعْفِهِ وَحَالِ حَيَاتِهِ وَبَعْدَ مَوْتِهِ، بَلْ جَاءَ فِي الدُّعَاءِ: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾ [الحشر: 10].
عِبَادَ اللهِ: إِنَّ حُقُوقَ إِخْوَانِكُمْ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ عَلَيْكُمْ لَازِمَةٌ مَا دَامَتْ فِيكُمْ عَيْنٌ تَطْرُفُ، وَلَا تَنْتَهِي إِلَّا بِاتِّبَاعِ جَنَائِزِهِمْ بَعْدَ مَمَاتِهِمْ.
فَأَدُّوا إِلَيْهِمْ حُقُوقَهُمْ وَاسْأَلُوا اللهُ حُقُوقَكُمْ، وَمَا دَامَ الْحَدِيثُ عَنْ حُقُوقِ الْعِبَادِ قَائِما:
فَمِنَ الْمُنَاسِبِ الْإِشَارَةُ إِلَى مَا أَقَرَّهُ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَبْلَ الْهِجْرَةِ وَطَبَّقَهُ بَعْدَهَا عَمَلِيًّا مِنْ أُخُوَّةِ الْإِسْلَامِ بَيْنَ أَبْنَائِهِ وَالتَّآخِي بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، فَـ«الْمُسْلِمُ أَخُو الْمُسْلِمِ؛ لَا يَظْلِمُهُ وَلَا يُسْلِمُهُ».
كَمَا ثَبَتَ بِذَلِكَ الْحَدِيثُ فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ، وَأُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ أَقْوَى مِنْ أُخُوَّةِ النَّسَبِ، وَرَابِطَتُهُ أَوْثَقُ مِنْ رَابِطَةِ الدَّمِ.
فَاللهَ اللهَ ـ يَا أُمَّةَ الْإِسْلَامِ ـ فِي إِخْوَانِكُمْ، ارْعَوْا شُؤُونَهُمْ، وَأَعْطُوهُمْ حُقُوقَهُمْ وَحَذَارِ مَنْ أَنْ يَكُونَ فِي قَلُوبِكُمْ غِلٌّ لِلَذَّيْنِ آَمَنُوا.
وَفَّقَنِي اللهُ وَإِيَّاكُمْ لِخَيْرَيِ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ، وَعَصَمَنَا مِنَ الضَّلَالَةِ وَالزَّلَلِ.
أَقَوْلُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ الْجَلِيلَ الْعَظِيمَ لِي وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الْحَمْدُ للهِ عَلَى إِحْسَانِهِ، وَالشُّكْرُ لَهُ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَامْتِنَانِهِ، وَبَعْدُ:
فَالتَّقْوَى سِلَاحُ الْمُؤْمِنِ كُلَّ وَقْتٍ، فَاتَّقُوْا اللهَ وَرَاقِبُوهُ وَأَطِيعُوهُ وَلَا تَعْصُوهُ، وَتَأَهَّبُوا لِلْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة: 18].
إِنَّ سَمَاعَ وَصَايَا النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ مِمَّا يَحُثُّ عَلَى الْعَمَلِ وَالْقُرْبِ مِنَ اللهِ، وَيَزِيدُ مِنْ عِبْرَتِهِ فِي الدُّنْيَا، غَيْرَ أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ إِذَا سَمِعَ أَمْثَالَ هَذِهِ الْحُقُوقِ لَا يَصْرِفُهَا إِلَّا لِمَنْ يَعْرِفُهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ أَوْ تَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ قَرَابَةٌ أَوْ عِلَاقَةٌ، فَلَا يُسَلِّمُ إِلَّا عَلَى مَنْ يَعْرِفُ، وَلَا يُعِينُ إِلَّا مَنْ سَيَسْتَفِيدُ مِنْ إِعَانَتِهِ وَلَا يُجِيبُ إِلَّا دَعْوَةَ مِنْ تَكُونُ إِجَابَتُهُ وَجَاهَةً لَهُ، وَلَا يَعُودُ إِلَّا مَنْ يُحِبُّ، وَكَأَنَّ الْحَديثَ وَالتَّوْجِيهَ مُنْصَرِفٌ إِلَى تَعَامُلِ الْمَرْءِ مَعَ قَرَابَتِهِ وَجَمَاعَتِهِ.
إِنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْمُسْلِمِ أَنْ يَبْذُلَ كُلَّ ذَلِكَ وَأَعْظَمَ مِنْهُ لِكُلِّ مُسْلِمٍ، وَأَنْ يَكُونَ ذَلِكَ شِعَارَهُ وَدِثَارَهُ، كَمَا أَنَّهُ مُلَازِمٌ لِحَقِّ اللهِ تَعَالَى كُلَّ وَقْتٍ وَكُلَّ حِينٍ فَهُوَ مُلَازِمٌ لِحُقوقِ الْخَلْقِ كَذَلِكَ، مَعَ أَنَّ ثَمَّةَ فُرَصاً يَسْتَطِيعُ الْمَرْءُ بِهَا أَنْ يَبْذُلَ إِحْسَانَهُ لِلنَّاسِ كَافَّةً، وَيُعَمِّمَ خَيْرَهُ لَهُمْ، فَمَا رَأْيُكُمْ بِمَنْ وَلَّاهُ اللهُ مَسْؤُولِيَّةً فَرَاقَبَ اللهَ فِيهَا، وَاسْتَخْدَمَهَا طَرِيقاً لِإِحْسَانِهِ إِلَى النَّاسِ جَمِيعاً.
وَمَا رَأْيُكُمْ بِمَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يُعِينَ كُلَّ مُحْتَاجٍ أَوْ مَرِيضٍ، ثُمَّ لَا يَفْعَلُ، فَلَيْسَ الْإِحْسَانُ فِي الْعَمَلِ أَوْ إتْمَامُ حَاجَاتِ النَّاسِ قَاصِرٌ عَلَى قَرِيبِكَ وَصَدِيقِكَ وَمَنْ تَعْرِفُ؛ بَلْ كُلُّ مُسْلِمٍ أَنْتَ مَأْجُورٌ فِيهِ وَمُؤَدٍّ حَقَّهُ، أَلَيْسَ كُلُّ مَنْ فِي الْمُسْتَشْفَيَاتِ مَرْضَى وَعِيَادَتُهُمْ مِنْ حَقِّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ، فَمَا بَالُ بَعْضُهُمْ لَا يَزُورُ إِلَّا مَنْ يَعْرِفُ؟!
فَالْتَمِسُوا قُرْبَ اللهِ بِمُسَاعَدَةِ الْمُحْتَاجِينَ، وَعِلَاجِ الْمَرْضَى الْمُعْسِرِينِ وَتَقَرَّبُوا لِرَبِّكُمْ يَكْشِفْ عَنْكُمْ مَا أَصَابَكُمْ مِنْ كَرْبٍ، فَمَنْ نَفَّسَ عَنْ أَخْيهِ الْمُسْلِمِ كُرْبَةً نَفَّسَ اللهُ عَنْهُ بِهَا كُرْبَةً مْنَ النَّارِ.
الَّلهُمَّ صَلِّ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ وَالنَّاصِحِ لَهُمْ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ.