الْحَمْدُ للهِ حَقَّ حَمْدِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدَهُ وَرَسُولَهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً إِلَى يَوْمِ الدِّينِ، أَمَّا بَعْدُ:
فَاتَّقُوا اللهَ ـ أَيُّهَا النَّاسُ ـ حَقَّ التَّقْوَى، وَرَاقِبُوهُ فِي السِّرِّ وَالنَّجْوَى، وَتَزَوَّدُوا مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَاعْلَمُوا أَنَّ تَقْوَى اللهِ ـ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ـ وَالاِزْدِيَادَ مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ أَعَظْمُ وَسِيلَةٍ لِلْفَوْزِ فِي الْآخِرَةِ، وَالنَّجَاةِ مِنْ نَارٍ تَلَظَّى.
فَاتَّقُوْا اللهَ، وَسَدِّدُوا، وَقَارِبُوا، وَاغْدُوا، وَرُوحُوا، وَتَذَكَّرُوا نِعَمَ اللهِ عَلَيْكُمْ وَتَفْرِيطَكُمْ فِي جَنْبِهَا، وَتَأَهَّبُوا لِيَوْمِ الْعَرْضِ الْأَكْبَرِ عَلَى اللهِ: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ [الحاقة: 18].
عِبَادَ اللهِ: لَا يَسْتَطِيعُ الْإِنْسَانُ الْعَيْشَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الْمَلِيئةِ بِالْفِتَنِ وَالْمَحْفُوفَةِ بِالْمَكَارِهِ، وَلَا يَسْتَطِيعُ تَحْقِيقَ الْعُبُودِيَّةِ للهِ تَعَالَى عَلَى وَجْهِهَا الصَّحِيحِ؛ وَلَا الْخِلَافَةَ فِي الْأرْضِ كَمَا أَرَادَ اللهُ ـ سُبْحَانَهُ ـ مَا لَمْ يَكُنْ لَهُ مُعِينٌ قَادِرٌ، يَلَجَأُ إِلَيْهِ عِنْدَ الشَّدَائِدِ وَيُهْرَعُ إِلَيْهِ عِنْدَ الْمُلِمَّاتِ، يُسَدِّدُهُ وَيُوَفِّقُهُ، وَيَحُوطُهُ وَيَرْعَاهُ لِيَقُومَ بِذَلِكَ كُلِّهُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَطْلُوبِ.
عَنْ أَبَي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ «الْمُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ، اِحْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ، وَاسْتَعِنْ وَلَا تَعْجَزْ، وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ قَدَّرَ اللهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنْ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
لَقَدْ بَيَّنَ الْمُصْطَفَى ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْعَظِيمِ، الْمُنْبَعِثِ مِنْ مِشْكَاةِ النُّبُوَّةِ أَنَّ الْمُؤْمِنَ الْقَوِيَّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إِلَى اللهِ مِنَ الضَّعِيفِ، ثُمَّ أَرْشَدَ إِلَى الْوَسِيلَةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي تَجْعَلُ الْمُؤْمِنَ قَوِيًّاً أَبِيًّاً بَعِيداً عَنِ الْعَجْزِ وَالضَّعْفِ، وَهِيَ الاِسْتِعَانَةُ بِاللهِ الْقَوِيِّ الْعَزِيزِ، وَاللُّجُوءِ إِلَيْهِ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ كُلِّهَا.
ثُمَّ التَّسْلِيمُ بَعْدَ ذَلِكَ لِقَضَاءِ اللهِ وَقَدَرِهِ، وَالرِّضَا بِهِ وَالْحَذَرُ مِنْ مَدَاخِلِ الشَّيْطَانِ الَّتِي تَقْدَحُ فِي الْإِيمَانِ، وَتُنَافِي التَّوْحِيدَ الْخَالِصَ، وَتُؤَدِّي إِلَى الاِعْتِرَاضِ عَلَى الْقَدْرِ وَالْقَضَاءِ، وَالتَّحَسُّرِ عَلَى مَا فَاتَ وَانْتَهَى، مِمَّا يَزِيدُ الْمَرْءَ ضَعْفاً إِلَى ضَعْفِهِ، وَعَجْزاً إِلَى عَجْزِهِ، وَأَنَّى لَهُ أَنْ يَفْعَلَ أَمْراً، أَوْ يَحْصُلَ عَلَى شَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللهُ لَهُ.
قَالَ الْإِمَامُ النَّوَوِيُّ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: وَالْمُعْنَى: اِحْرِصْ عَلَى طَاعَةِ اللهِ تَعَالَى، وَالرَّغْبَةِ فِيمَا عِنْدَهُ، وَاطْلُبِ الْإِعَانَةَ مِنَ اللهِ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ، وَلَا تَعْجَزْ، وَلَا تَكْسَلْ عَنْ طَلَبِ الطَّاعَةِ، وَلَا عَنَ طَلَبِ الْإِعَانَةِ.
أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ الْوَاقِعَ الَّذِي يَعِيشُهُ الْمُسْلِمُونَ الْيَوْمَ قَدْ يُوجِدُ عِنْدَ بَعْضِ الْمُؤْمِنِينَ جَزَعاً أَوْ تَسَخُّطاً، وَإِنَّ لَنَا فِي رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أُسْوَةً حَسَنَةً، وَشِدَّةَ لُجُوئِهِ إِلَى رَبِّهِ عِنْدَ الشَّدَائِدِ، يَبْرُزُ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ.
وَأَنَّهُ يُقَدِّمُ خَشْيَةَ اللهِ عَلَى خَشْيَةِ النَّاسِ، وَيَكِلُ أَمْرَهُ إِلَى الْقَوِّيِّ الْعَزِيزِ، فَيَجْعَلُ اللهَ حَسْبَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ، وَيَرْبِطُ تَوَكُّلَهُ عَلَيْهِ.
كَلِمَةُ تُمَثِّلُ هَذَا الْأَمْرَ كَانَتْ عَلَى لِسَانِهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فِي أَشَدِّ الشَّدَائِدِ وَكَانَتْ مَعَ أَصْحَابِهِ مِنْ بَعْدَهُ.
رَوَى الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ـ قَالَ: حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ، وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ حِينَ قَالُوا: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: 173] حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ كَلِمَةٌ عَظِيمَةٌ وَلُجْءٌ قَوِّيٌّ إِلَى مَنْ عِنْدَهُ الْقُدْرَةُ وَالْقُوَّةُ، فِيهَا تَمَامُ التَّوْحِيدِ للهِ سُبْحَانَهُ وَالاِرْتِبَاطُ بِهِ، فِيهَا تَسْلِيمُ الْعَبْدِ بِضَعْفِهِ، وَعَدَمِ حَوْلِهُ وَقَوَّتِهُ إِلَّا بِخَالِقِهِ سُبْحَانَهُ، وَلِذَلِكَ وَرَدَ الْحَثُّ عَلَيْهَا وَالْأَمْرُ بِهَا فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ.
رَوَى ابْنُ مَرْدَوَيْهِ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «إِذَا وَقَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ الْعَظِيمِ فَقُولُوا: حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ» قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ.
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنِّسَائِيُّ، عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّهُ حَدَّثَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَضَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، فَقَالَ الْمَقْضِيُّ عَلَيْهِ لَمَّا أَدْبَرَ: حَسْبِيَ اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «رُدُّوا عَلَيَّ الرَّجُلَ» فَقَالَ: «مَا قُلْتَ؟» قَالَ: قُلْتُ حَسْبِيَ اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَقَالَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «إِنَّ اللهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ، فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ».
بَلْ وَرَدَ قَوْلُ هَذِهِ الْكَلِمَةِ عِنْدَ قِيَامِ السَّاعَةِ، رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ، وَغَيْرُهُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ـ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ «كَيْفَ أَنْعَمُ وَصَاحِبُ الْقَرْنِ قَدِ الْتَقَمَ الْقَرْنَ وَحَنَى جَبْهَتَهُ يَسْمَعُ مَتَى يُؤْمَرُ فَيَنْفُخَ» فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَمَا نَقُولُ؟ قَالَ: «قُولُوا حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، عَلَى اللهِ تَوَكَّلْنَا».
وَرُوِيَ أَنَّ مَنْ قَالَ أَرْبَعاً أَمِنَ مِنْ أَرْبَعٍ: مَنْ قَالَ هَذِهِ أَمِنَ مِنْ هَذَا، وَمَنْ قَالَ حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ أَمِنَ مِنْ كَيْدِ النَّاسِ لَهُ، قَالَ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آل عمران: 173] وَرَوَى ابْنُ جَرِيرٍ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ بِسَنَدِهِ عَنْ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ زَيْنَبَ وَعَائِشَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ـ أَنَّهُمَا تَفَاخَرَتَا، فَقَالَتْ زَيْنَبُ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا ـ زَوَّجَنِي اللهُ وَزَوَّجَكُنَّ أَهَالِيكُنَّ، وَقَالَتْ عَائِشَةُ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا ـ: نَزَلَتْ بَرَاءَتِي مِنَ السَّمَاءِ فِي الْقُرْآنِ فَسَلَّمَتْ لَهَا زَيْنَبُ، ثُمَّ قَالَتْ: كَيْفَ قُلْتِ حِينَ رَكِبْتِ رَاحِلَةَ صَفْوَانَ بْنِ الْمُعَطَّلِ؟ قَالَتْ: قُلْتُ حَسْبِيَ اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، قَالَتْ زَيْنَبُ: قُلْتِ كَلِمَةَ الْمُؤْمِنِينَ.
وَلَقَدْ كَانَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ مَلْجَأً لِلْمَظْلُومِينَ مِنَ الْخَلْقِ، رَوَى مُسْلِمٌ فِي "صَحِيحِهِ" عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: «لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي الْمَهْدِ إِلَّا ثَلَاثَةٌ عِيسَى بْنُ مَرْيَمَ، وَصَاحِبُ جُرَيْجٍ».
وَذَكَرَ قِصَّةَ جُرَيْجٍ وَكَلَامَ الصَّبِيِّ مَعَهُ لَمَّا اتَّهَمُوهُ بِالزِّنَا، ثُمَّ قَالَ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فِي بَيَانِ الصَّبِيِّ.
الثَّالِثِ: «وَبَيْنَا صَبِيٌّ يَرْضَعُ مِنْ أُمِّهِ، فَمَرَّ رَجُلٌ رَاكِبٌ عَلَى دَابَّةٍ فَارِهَةٍ، وَشَارَةٍ حَسَنَةٍ، فَقَالَتْ أُمُّهُ الَّلهُمَّ اجْعَلِ ابْنِي مِثْلَ هَذَا، فَتَرَكَ الثَّدْيَ وَأَقْبَلَ إِلَيْهِ فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ: الَّلهُمَّ لَا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى ثَدْيِهِ فَجَعَلَ يَرْتَضِعُ» قَالَ: فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَهُوَ يَحْكِي ارْتِضَاعَهُ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ فِي فَمِهِ فَجَعَلَ يَمُصُّهَا، قَالَ: «وَمَرُّوا بِجَارِيَةٍ وَهُمْ يَضْرِبُونَهَا وَيَقُولُونَ: زَنَيْتِ سَرَقْتِ، وَهِيَ تَقُولُ: حَسْبِيَ اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَقَالَتْ أُمُّهُ: الَّلهُمَّ لَا تَجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهَا، فَتَرَكَ الرِّضَاعَ وَنَظَرَ إِلَيْهَا فَقَالَ: الَّلهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا، فَهُنَاكَ تَرَاجَعَا الْحَدِيثَ، فَقَالَتْ: حَلْقَى، مَرَّ رَجُلٌ حَسَنُ الْهَيْئَةِ فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ اجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهُ فَقُلْتَ: اللَّهُمَّ لاَ تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ، وَمَرُّوا بِهَذِهِ الأَمَةِ وَهُمْ يَضْرِبُونَهَا وَيَقُولُونَ زَنَيْتِ سَرَقْتِ، فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ لاَ تَجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهَا، فَقُلْتَ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا، قَالَ: إِنَّ ذَاكَ الرَّجُلَ كَانَ جَبَّاراً فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ لاَ تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ، وَإِنَّ هَذِهِ يَقُولُونَ لَهَا زَنَيْتِ وَلَمْ تَزْنِ، وَسَرَقْتِ وَلَمْ تَسْرِقْ، فَقُلْتُ: اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا».
وَمِمَّا ذَكَرَهُ أَهْلُ السِّيَرِ مِنْ قِصَصِ الصَّالِحِينَ مَا ذَكَرَهُ الذَّهَبِيُّ فِي "السِّيَرِ" فِي تَرْجَمَةِ الْحَافِظِ عَبْدِ الْغَنِيِّ الْمَقْدِسِيِّ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ أَحْمَدَ الطَّحَّانِ قَالَ: كَانَ بَعْضُ أَوْلَادِ صَلَاحِ الدِّينِ قَدْ عُمِلَتْ لَهُمْ طَنَابِيرُ، وَكَانُوا فِي بُسْتَانٍ يَشْرَبُونَ فَلَقِيَ الْحَافِظُ عَبْدُ الْغَنِيِّ الْمَقْدِسِيُّ الطَّنَابِيرَ فَكَسَرَهَا، قَالَ فَحَدَّثَنِي الْحَافِظُ قَالَ: فَلَمَّا كُنْتُ أَنَا وَعَبْدُ الْهَادِي عِنْدَ حَمَّامِ كَافُورَ إِذَا قَوْمٌ كَثِيرٌ مَعَهُمْ عِصِيٌّ فَخَفَّفْتُ الْمَشَيَ، وَجَعَلْتُ أَقُولُ حَسْبِيَ اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَلَمَّا صِرْتُ عَلَى الْجِسْرِ لَحِقُوا صَاحِبِي فَقَالَ: أَنَا مَا كَسَرْتُ لَكُمْ شَيْئاً هَذَا هُوَ الَّذِي كَسَرَ، قَالَ فَإِذَا فَارِسٌ يَرْكُضُ فَتَرَجَّلَ وَقَبَّلَ يَدَيَّ وَقَالَ الصِّبْيَانُ مَا عَرَفُوكَ، وَكَانَ قَدْ وَضَعَ اللهُ لِلْحَافِظِ عَبْدِ الْغَنِيِّ هَيْبَةً فِي النُّفُوسِ.
أَمَّا نَتِيجَةُ قَوْلِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الصَّادِقِ فَقَدْ ذَكَرَهَا اللهُ فِي كِتَابِهِ ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ﴾ [آل عمران: 174].
أَيْ لَمَّا تَوَكَّلُوا عَلَى اللِه، كَفَاهُمْ مَا أَهَمَّهُمْ، وَرَدَّ عَنْهُمْ بَأْسَ مَنْ أَرَادَ كَيْدَهُمْ فَرَجَعُوا إِلَى بَلَدِهِمْ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ مِمَّا أَضْمَرَ لَهُمْ عَدُوُّهُمْ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ، وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: قَالَ عُلَمَاؤُنَا لَمَّا فَوَّضُوا أُمُورَهُمْ إِلَيْهِ، وَاعْتَمَدُوا بِقُلُوبِهِمْ عَلَيْهِ، أَعْطَاهُمْ مِنَ الْجَزَاءِ أَرْبَعَةَ مَعَانٍ: النِّعْمَةَ، وَالْفَضْلَ، وَصَرْفَ السُّوءِ، وَاتِّبَاعَ الرِّضَا فَرَضَّاهُمْ عَنْهُ وَرَضِيَ عَنْهُمْ.
وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ فِي "الدَّلَائِلِ" عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ فِي قَوْلِهِ: ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ﴾ [آل عمران: 174] قَالَ: النِّعْمَةُ أَنَّهُمْ سَلِمُوا، وَالْفَضْلُ أَنَّ عِيراً مَرَّتْ وَكَانَ فِي أيَّامِ الْمَوْسِمِ فَاِشْتَرَاهَا رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَرَبِحَ مَالًا فَقَسَّمَهُ بَيْنَ أَصْحَابِهِ.
وَعَنْ مُجَاهِدٍ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: فِي الْآيَةِ قَالَ: الْفَضْلُ مَا أَصَابُوا مِنَ التِّجَارَةِ وَالْأَجْرِ.
وَقَالَ السُّدِّيُّ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: أَمَّا النِّعْمَةُ فَهِيَ الْعَافِيَةُ، وَأَمَّا الْفَضْلُ: فَالتِّجَارَةُ، وَالسُّوءُ الْقَتْلُ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ جَرِيرٍ، وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ـ قَال: لَمْ يُؤْذِهِمْ أَحَدٌّ، وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ، قَالَ: أَطَاعُوا اللهِ وَرَسُولَهُ.
أَيُّهَا الْأُخْوَةُ: مَا أَحْوَجَنَا إِلَى أَنْ نُقُولَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ، وَنُعَوِّدَ أَلْسِنَتَنَا عَلَيْهَا فِي ظِلِّ مَا نَرَاهُ مِنْ تَسَلُّطٍ لِلْعَدُوِّ عَلَى الْمُسْتَضْعَفِينَ فِي بُلْدَانٍ مُتَفَرِقَةٍ، فِي وَضْعٍ لَا يَمْلِكُ الْمَرْءُ فِيهِ حَوْلاً وَلَا طَوْلاً، إِلَّا الْتِجَاءً إِلَى رَبِّهِ سُبْحَانَهُ، وَسُؤَالًا لَهُ، وَرَجَاءً فِي نَصْرِهِ الْمَوْعُودِ.
الْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ وَبَعْدُ:
عِبَادَ اللهِ: اتَّقُوا اللهَ حَقَّ التَّقْوَى، فَمَنِ اتَّقَى اللهَ كَفَاهُ، وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللِه فَهُوَ حَسْبُهُ، لَقَدْ كَانَ مِنْ حِرْصِ السَّلَفِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُم ـ عَلَى ارْتِبَاطِهِمْ بِرَبِّهِمْ سُبْحَانَهُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَحْرِصُونَ عَلَى تَذْكِيرِ أَنْفُسِهِمْ دَوْماً بِأَنَّهُمْ دَائِماً فِي حَاجَةٍ إِلَى رَبِّهِمْ سُبْحَانَهُ.
وَمِنْ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ بِسَنَدِهِ قَالَ: كَانَ نَقْشُ خَاتَمِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ: حَسْبِيَ اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: سَمِعْتَ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ لِقَوْمٍ قَالُوا: ﴿وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (173) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ [آل عمران: 173-174] بَلْ نَصَّ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ لِمَنْ كَتَبَ كَتَاباً، أَوْ وَصِيَّةً، أَوْ غَيْرَهُمَا أَنْ يَفْتَتِحَهُ بِالْبَسْمَلَةِ وَالْحَمْدَلَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ، وَأَنْ يَخْتِمَهُ أَيْضاً بِالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ، ثُمَّ بِقَوْلِهِ حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ، فَإِنَّ ذَلِكَ فِيهِ النَّجَاحُ وَالْفَلَاحُ، وَقَدْ جَرَى عَلَى نَهْجِهِ الْقَوِيمِ السَّلَفُ وَالْخَلَفُ، وَقَدْ سُئِلَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ عَنِ الْحِكْمَةِ فِي الْخَتْمِ بِالْحَسْبَلَةِ دُونَ غَيْرِهَا، فَقَالَ: الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ وَالسِّرُّ فِيهِ ظَاهِرٌ مَعْلُومٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ﴿فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾ [آل عمران: 173-174] أُثِرَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ قَوْلُهُ: إِنَّ الْحَسْبَلَةَ لَا تَكُونُ فِي مَكْتُوبٍ وَيَحْصُلُ لِكَاتِبِهِ بِسَبِبِهِ سُوءٌ أَبَداً.
فَاتَّقُوا اللهَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ وَعَلَيْكُمْ بِالِارْتِبَاطِ بِرَبِّكُمْ سُبْحَانَهُ، وَالتَّقَرُّبِ إِلَيْهِ وَسُؤَالِهِ تَفْرِيجَ الْكُرُوبِ، وَكَشْفَ الْغُمُومِ، وَرَفْعَ الظُّلْمِ، وَنُصْرَةَ الْمَظْلُومِينَ فَإِنَّهُ يُجِيبُ دُعَاءَ الْمُضْطَرِّينَ.
الَّلهُمَّ صَلِّ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ وَالنَّاصِحِ لَهُمْ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ.