مكتبـــــة الخطب

2025-12-14 20:25:21

تقدير الولاة وتعظيم العلماء

تقدير الولاة وتعظيم العلماء

الْحَمْدُ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبَهُ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً.

﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾       [آل عمران: 102] ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: 1] ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا ﴾ [الأحزاب: 70-71].

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ حَقَّ التَّقْوَى، فَتَقْوَى اللهِ نِعْمَ الْأَمَلُ، وَالْإِعْرَاضُ عَنْهَا بِئْسَ الْعَمَلُ.

أَيُّها الْمُسْلِمُونَ: لَقَدْ خَلَقَ اللهُ عِبَادَهُ عَلَى الْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ السَّوِيَّةِ، وَبَعَثَ الرُّسُلَ لِتَقْرِيرِهَا وَتَكْمِيلِهَا، وَالنَّاشِئَةُ فِي بُكُورِ حَيَاتِهَا دِيوَانٌ مَفْتُوحٌ وَسِجِلٌّ نَاصِعٌ، تَتَلَقَّى مَا يَرِدُ عَلَيْهَا مِنْ حَقٍّ أَوْ بَاطِلٍ، أَرْضٌ تُنبِتُ أَيَّ غِرَاسٍ مِنْ صَحِيحِ الْعَقَائِدِ وَفَاسِدِهَا، وَمِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَمَسَاوِئِهَا: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِه، أَوْ يُنَصِّرَانِهِ، أَوْ يُمَجِّسَانِهِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ .

وَإِنَّ مَا تَمُرُّ بِهِ بِلَادٌ شَتَّى مِنْ بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ فِتَنٍ وَقَتْلٍ وَسَفْكٍ لِلدِّمَاءِ يُوجِبُ عَلَى الْمَرْءِ أَنْ يَبْحَثَ عَنِ الْعِلَاجِ؛ لِأَنَّ الشَّجْبِ يَسْتَطِيعُهُ كُلُّ أَحَدٍ، حَتَّى الْعَجَائِزُ وَالْبُلَهَاءُ يَسْتَطِيعُونَ شَجْبَ الْخَطَأِ وَالتَّبَرُّؤَ مِنْهُ، لَكِنَّ الْعَاقِلَ مَنْ يَبْحَثُ عَنْ سَبَبِ الْمَرَضِ لِيَبْحَثَ بَعْدَهُ عَنِ الْعِلَاجِ.

إِنَّ مِنْ أَوَّلِ مَا يُبْدَأُ بِهِ فِي أَيِّ بَلَدٍ يُرَادُ الْإِضْرَارُ بِهِ أَنْ يَكُونَ فِي إِذْهَابِ هَيْبَةِ الْحَاكِمِ وَالْعَالِمِ؛ لِأَنَّ الْحَاكِمَ إِذَا زَالَتْ هَيْبَتُهُ لَمْ يَسْتَقِمْ أَمْنٌ، وَإِذَا شُكِّكَ فِي الْعَالِمِ لَمْ يُسْمَعْ لِنُصْحٍ.

أَلَا وَإِنَّ مِنْ تَعْظِيمِ الشَّرِيعَةِ وَالدِّينِ تَعْظِيمُ الْعُلَمَاءِ، فَهُمْ خَلَفُ أَنْبِيَاءِ اللهِ فِي دَعْوَتِهِمْ، قَالَ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «وَإِنَّ الْعُلَمَاءَ وَرَثَةُ الْأَنْبِيَاءِ» رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ، حَقٌّ عَلَى النَّاسِ تَبْجِيلُهُمْ وَتَوْقِيرُهُمْ، وَعَلَى هَذَا سَارَ أَسْلَافُ هَذَا الدِّينِ.

يَقُولُ الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانِ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: مَا اجْتَرَأْتُ أَنْ أَشْرَبَ الْمَاءَ وَالشَّافِعِيُّ يَنْظُرُ إِلَيَّ هَيْبَةً لَهُ، فَسُؤَالُهُمْ عِلْمٌ، وَمَجَالَسَتِهِمْ سَعَادَةٌ، وَمُخَالَطَتُهُمْ تَقْوِيمٌ لِلسُّلُوكِ، وَمُلَازَمَتُهُمْ حِفْظٌ لِلشَّبَابِ بِإِذْنِ اللهِ مِنَ الزَّلَلَ.

يَقُولُ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ: وَجَدْتُ صَلَاحَ قَلْبِي فِي مُجَالَسَةِ الْعُلَمَاءِ.

ثَمَرَةُ مُجَالَسَةِ الْعُلَمَاءِ لَيْسَتْ فِي التَّزّوُّدِ مِنَ الْعُلُومِ وَالْمَعَارِفِ فَحَسْبُ؛ بَلِ الْاِقْتِدَاءِ بِهِمْ فِي الْهَدْيِ وَالسَّمْتِ وَعُلُوِّ الْهِمَّةِ وَنَفْعِ الْآخَرِينَ، فَهُوَ عِلْمٌ آخَرُ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ كُلُّ أَحَدٍ، وَبُعْدُ نَاشِئَةِ الْمُسْلِمِينَ؛ بَلِ النَّاسِ عَامَّةً عَنْهُمْ يُؤَدِّي إِلَى تَخَبُّطٍ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ وَإِعْجَابٍ بِالرَّأْيِ وَقِلَّةٍ فِي التَّعَبُّدِ.

وَإِنَّنَا حِينَ نَتَكَلَّمُ عَنْ الْعُلَمَاءِ فَنَعْنِي بِهِمْ أَهْلَ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ، الَّذِينَ شَهِدَتْ لَهُمُ الْأُمَّةُ بِالْقُبُولِ، وَالَّذِينَ وُكِلَ إِلَيْهِمُ الْفَتْوَى فِي هَذِهِ الْبِلَادِ، وَإِنَّهُ بِقَدْرِ الْبُعْدِ عَنِ الْعُلَمَاءِ النَّاصِحِينَ بِقَدْرِ مَا يَظْهَرُ مِنْ مُخَالَفَاتٍ فِي السُّلُوكِ وَالتَّصَوُّرِ.

وَلَمَّا ضَعُفَ فِي الْقُلُوبِ ـ مِنَ الشَّبَابِ خَاصَّةً ـ تَوْقِيرُ الْعُلَمَاءِ، وَصَفُوهُمْ بِعُلَمَاءِ السُّلْطَانِ تَارَةً، أَوْ بِعُلَمَاءِ السِّيَاسَةِ تَارَةً أُخْرَى، وَكُلُّ هَذِهِ الْأُمُورِ تُوجِدُ عِنْدَ النَّاسِ جَفْوَةً مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ، وَبُعْداً عَنْ قُبُولِ الْحَقِّ الصَّرِيحِ مِنْهُمْ، فَلِذَلِكَ ظَهَرَ مِنْ أَفْعَالِهِمْ مَا رَأَيْتُم مِنْ تَخْرِيبٍ وَتَدْمِيرٍ.

أَيُّهَا الْأُخْوَةُ: إِنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْنَا جَمِيعًا أَنْ نَغْرِسَ فِي قُلُوبِ النَّاشِئَةِ وَالشَّبَابِ حُبَّ الْعُلَمَاءِ وَتَوْقِيرَهُمْ، وَالرُّجُوعَ إِلَيْهِمْ وَالْأَخْذَ عَنْهُمْ، وَأَنَّهُمْ مَرْجِعُ النَّاسِ عِنْدَ النَّوَازِلِ وَالْمُلِمَّاتِ.

عِبَادَ اللهِ: وَإِنَّ مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي يَنْبَغِي عَلَى النَّاسِ جَمِيعاً الْحِرْصُ عَلَيْهَا السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ لِوُلَاةِ الْأَمْرِ، ذَلِكَ الْأَصْلُ الْأَصِيلُ الَّذِي لَا يَسْتَقِيمُ أَمْرُ النَّاسِ إِلَّا بِهِ.

وَتَجِدُونَ أَهَمِّيَّةَ ذَلِكَ مِنْ خِلَالَ تِلْكَ النُّصُوصِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي جَاءَتْ فِي السُّنَّةِ النَّبَوِيَّةِ تُوجِبُ طَاعَةَ الْحَاكِمِ، وَتُحَرِّمُ الْخُرُوجُ عَلَيْهِ، ثُمَّ تَأْكِيدُ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي كُتُبِهِمْ خُصُوصاً كُتُبَ الْعَقِيدَةِ عَلَى هَذَا الْمَبْدَأِ.

وَمَعَ ذَلِكَ خَرَجَ مِنْ زَيَّنَ لِلنَّاسِ إِبَاحَةَ الْخُرُوجِ عَلَى الْحَاكِمِ وَنَزْعِ الطَّاعَةِ مِنْهُ، وَمَعَ فَدَاحَةِ هَذَا الْأَمْرِ وَعَظِيمِ الضَّرَرِ الْوَاقِعِ بِسَبَبِ الْإِخْلَالِ بِهِ، فَقَدْ قَلَّ مَنْ يَتَحَدَّثُ عَنْهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَالْخُطَبَاءِ وَالْوَاعِظِينَ.

بَلْ وَصَلَ الْأَمْرُ بِبَعْضِ مَنْ فِي قَلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنَّهُمْ مَتَى مَا سَمِعُوا أحَداً يَتَكَلَّمُ عَنْ وُجُوبِ طَاعَةِ وُلَاةِ الْأَمْرِ وَتَحْرِيمِ الْخُرُوجِ عَلَيْهِمْ؛ وَصَفُوهُ بِأَبْشَعِ الصِّفَاتِ، حَتَّى نَشَّأُوا النَّاسَ عَلَى كَرَاهِيَةِ هَذَا الْمَوْضُوعِ وَتَرْكِ الْكَلَامِ فِيهِ، مَعَ أَنَّهُ مِنَ الْأُصُولِ الثَّابِتَةِ عِنْدَ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ فِي الْقَدِيمِ وَالْحَدِيثِ.

وَمَعَ إِقْرَارِ النَّاسِ بِوُجُوبِ الْهَيْبَةِ لِمَنْ وَلَّاهُ اللهُ الْأَمْرَ إِلَّا أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ فِي تَصَرُّفَاتِهِمْ يُبْدُونَ خِلَافَ ذَلِكَ، فَارْتِكَابُ مَا يُخَالِفُ مَعَ مَا يُسَنُّ مِنْ أَنَظْمَةٍ وَتَعْلِيمَاتٍ هُوَ فِي حَقِيقَتِهِ إِذْهَابٌ لِلْهَيْبَةِ وَغَرَسَ فِي نُفُوسِ الْأَبْنَاءِ وَالْمُجْتَمَعِ الاِسْتِهْتَارَ بِأَوَامِرِ وُلَاةِ الْأَمْرِ.

إِنَّ اللهَ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ جَعَلَ لِلْحَاكِمِ وَالْأَميرِ وَالْوَالِي سُلْطَةً بِمُوجِبِ عَمَلِهِ دُونَ نَظَرٍ إِلَى ذَاتِهِ، فَالْوَاجِبُ عَلَى النَّاسِ احْتِرَامُهَا، كَيْفَ وَقَدْ جَاءَتِ الشَّرِيعَةُ بِالْأَمْرِ بِهَا، انْظُرُوا فِي الدُّوَلِ الَّتِي عَاشَتْ صِرَاعَاتٍ وَمُنَازَعَةً لِلَحَاكِمِ هَلْ يُوجَدُ هَيْبَةٌ لِلْحَاكِمِ الْجَدِيدِ، بَلْهَ هَلْ يُوجَدُ هَيْبَةٌ لِرَجُلِ الْأَمْنِ رُبَّ يَوْمٍ بَكَيْتَ مِنْهُ لَمَّا مَضَى بَكَيْتَ عَلَيْهِ.

رَوَى التِّرْمِذِيُّ، وَحَسَّنَهُ عَنْ زِيَادِ بْنِ كُسَيْبٍ الْعَدَوِيِّ قَالَ: كُنْتُ مَعَ أَبِي بَكْرَةَ تَحْتَ مِنْبَرِ اِبْنِ عَامِرٍ وَهُوَ يَخْطُبُ، وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ رِقَاقٌ فَقَالَ أَبُو بِلَالٍ: انْظُرُوا إِلَى أَميرِنَا يَلْبَسُ ثِيَابَ الْفُسَّاقِ، فَقَالَ أَبُو بَكْرَةَ: اسْكُتْ، سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يَقُولُ: «مَنْ أَهَانَ سُلْطَانَ اللهِ فِي الْأرْضِ أَهَانَهُ اللهُ».

عِبَادَ اللهِ: إِنَّ ذِكْرَ عُيُوبِ الْحُكَّامِ عَلَى الْمَنَابِرِ، أَوْ فِي أَوْسَاطِ النَّاسِ بِشَتَّى الْوَسَائِلِ، تُفْرِزُ وَلَا بُدَّ انْتِزَاعَ احْتِرَامِ وُلَاةَ الْأَمْرِ مِنْ قُلُوبِ النَّاسِ، لِتَقُودَهُمْ فِي النِّهَايَةِ إِلَى تَكْفِيرِهِمْ وَعَدَمِ السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ لَهُمْ، وَإِنَّهُ حِينَمَا يَسْتَمْرِئُ النَّاسُ السَّبَّ أَوِ الشَّتْمَ أَوِ التَّنْقِيصَ لِلْمَلِكِ أَوِ الْأَمِيرِ أَوْ غَيْرِهِ يَزْرَعُونَ فِي الْقُلُوبِ أُمُوراً لَا تَخْطُرُ فِي ذِهْنِ أحَدٍ.

إِنَّ الْحَاكِمَ وَالْعَالِمَ مِثْلُ الْأَبِ فِي الْبَيْتِ، إِذَا ذَهَبَتْ هَيْبَةُ الْأَبِ عِنْدَ أَهْلِ بَيْتِهِ فَوُجُودُهُ وَذَهَابُهُ سَوَاءٌ.

فَاتَّقَوْا اللهَ ـ أَيُّهَا النَّاسُ ـ وَرَاقِبُوهُ فِي أَقْوَالِكُمْ وَأَفْعَالِكُمْ: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾ [ق: 18].

أَقُولُ هَذَا الْقَوْلَ وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ.

الْحَمْدُ للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُوْلَى وَالْآخِرَةِ، وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ.

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوْا اللهَ ـ أَيُّهَا النَّاسُ ـ تَفُوزُوا فِي الدُّنْيَا بِالسَّعَادَةِ، وَفِي الْآخِرَةِ بِالْجَنَّةِ وَزِيَادَةٍ.

عِبَادَ اللهِ: إِنَّ النَّاظِرَ فِي تَعَالِيمِ هَذَا الدِّينِ يَرَى أَنَّهُ جَاءَ بِكُلِّ مَا يُسْعِدُ الْبَشَرِيَّةَ جَمْعَاءَ، وَإِنَّهُ مَتَى مَا سَارَ النَّاسُ عَلَى الْمَنْهَجِ الْقَوِيمِ فَلَنْ يَسْتَطِيعَ الْأَعْدَاءُ أَنْ يَنَالُوا مِنْهُمْ، وَمَنْ تَأَمَّلَ التَّارِيخَ وَجَدَ أَنَّ أَعْدَاءَ الْإِسْلَامِ لَا يَتَقَوُّونَّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ إِلَّا إِذَا وَجَدُوا بَيْنَهُمْ خِلَافاً وَنِزَاعاً، يَقُولُ الْمُعَلِّمِيُّ ـ رَحِمَهُ اللهُ ـ فِي كِتَابِهِ "التَّنْكِيلِ": وَإِنَّ حُبَّ الْخُرُوجِ عَلَى وَلِيِّ الْأَمْرِ هُوَ شَقٌّ لِعَصَا الْمُسْلِمَيْنَ وَتَفْرِيقٌ لِكَلِمَتِهِمْ وَتَشْتِيتٌ لِجَمَاعَتِهِمْ، وَتَمْزِيقٌ لِوَحْدَتِهِمْ، وَشَغَلٌ لَهُمْ بِقَتْلِ بَعْضِهِمْ بَعْضاً، فَتَهِنُ قُوَّتُهُمْ، وَتَقْوَى شَوْكَةُ عَدُوِّهِمْ، وَتَتَعَطَّلُ ثُغُورُهُمْ  فَيَسْتَوْلِي عَلَيْهَا الْكُفَّارُ وَيَقْتُلُونَ مَنْ فِيهَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَيُذِلُّونَهُمْ، وَقَدْ يَسْتَحْكِمُ التَّنَازُعُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَتَكُونُ نَتِيجَتَهُ الْفَشَلَ الْمَخْزِي لَهُمْ جَمِيعاً، وَقَدْ جَرَّبَ الْمُسْلِمُونَ الْخُرُوجَ فَلَمْ يَرَوْا مِنْهُ إِلَّا الشَّرَّ ا.هـ.

إِنَّ عُقُولَ الشَّبَابِ كَانَتْ وَلَا تَزَالُ هَدَفاً لِأَعْدَاءِ الْمُسْلِمِينَ الَّذِينَ تَنَوَّعَتْ وَسَائِلُهُمْ لِيُوقِعُوا الشَّبَابَ فِي شَرَكِهِمْ، وَلِيَزُجُّوا بِهِمْ فِي وَحْلِ الْفِتَنِ تَارَةً   وَيُلْقُوا عَلَيْهِمُ الشُّبُهَاتِ تَارَةً أُخْرَى، لِيَرُدُّوهُمْ وَيُورِدُوهُمْ مُسْتَنْقَعَ الْهَوَى وَالشَّهَوَاتِ، وَيُغْرِقُوهُمْ فِي الْمُلْهِيَاتِ وَالْمُحَرَّمَاتِ.

لِذَا كَانَ الْحِمْلُ ثَقِيلاً عَلَى الْوَالِدَيْنِ وَأرْبَابِ التَّرْبِيَةِ كَيْ يَقُودُوا الشَّبَابَ لِجَادَّةِ الصَّوَابِ، فَالْحِمْلُ ثَقِيلٌ، وَضَرَرُ التَّفْرِيطِ أَثْقَلُ، وَلَا أَنْفَعَ بِإِذْنِ اللهِ لِلشَّبَابِ مَنِ التَّحَصُّنِ بِعِلْمِ الشَّرِيعَةِ، يَزِيدُ الْإِيمَانَ، وَيُنِيرُ الْبَصِيرَةَ، وَيُهَذِّبُ النَّفْسَ  وَيَرْفَعُ عَنْ دَنِيءِ الْأَفْعَالِ، طَالِبُ الْعِلْمِ مَنْظُومٌ فِي سِلْكِ الْعُظَمَاءِ: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11].

سُلُوكُ طَرِيقِ الْعِلْمِ، تَوْفِيقٌ لِلْوُصُولِ لِلْجِنَانِ، وَالْخَلْقُ عَنْ طَلَبَةِ الْعِلْمِ رَاضُونَ، وَلِصَنِيعِهِمْ مُسْتَغْفِرُونَ، وَالْمَلَاَئِكَةُ لِمُجَالَسَةِ أهْلِ الْعِلْمِ وَطَلَبَتِهِ رَاغِبُونَ.

أَيُّهَا الْأُخْوَةُ: إِنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْأَبِ أَنْ يُغَذِّيَ أَبْنَاءَهُ بِالْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ الَّذِي يَكُونُ حَاجِزاً لَهُمْ أَمَامَ كَثِيرٍ مَنِ الْفِتَنِ وَالْمُغْرِيَاتِ، فَيَزْجُرُهُ عَنِ الْإِقْدَامِ عَلَى كَثِيرٍ مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ، وَلَسْنَا نَعْنِي هُنَا أَنْ يَكُونُوا عُلَمَاءً، فَهَذَا أَمْرٌ لَا يَقْدُرُهُ كُلُّ أحَدٍ لَكِنْ نَشِّئُوا فِي قُلُوبِهِمْ وَهُمْ صَغَارٌ: تَعْظِيمَ الْحُرُمَاتِ، وَالْمُحَافَظَةَ عَلَى الضَّرُورَاتِ الْخَمْسِ الَّتِي أَمَرَ الْإِسْلَامُ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا وَالدِّفَاعِ عَنْهَا: النَّفْسُ وَالْعَقْلُ، وَالْمَالُ، وَالْعِرْضُ، وَالدِّينُ.

إِنَّ الْإِنْسَانَ مَتَى مَا نَشَأَ فِي ذِهْنِهِ هَذَا الْأَمْرُ فَإِنَّهُ لَنْ يُقْدِمَ عَلَى قَتْلِ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقٍّ، وَلَنْ يُقْدِمَ عَلَى شُرْبِ مُسْكِرٍ، وَلَنْ يُقْدِمَ عَلَى السَّبِّ وَالشَّتْمِ، وَلَا أَكْلِ الْمَالِ بِغَيْرِ حِلِّهِ.

فَاتَّقُوْا اللهَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ ثُمَّ صَلُّوا عَلَى رَسُولِ الْهُدَى وَإِمَامِ الْوَرَى مُحَمَّدٍ، فَقَدْ أَمَرَكُمِ اللهُ بِذَلِكَ فَقَالَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].

 


📄 اضغط لمشاهدة الملف

خطب ذات صلة