الْحَمْدُ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبَهُ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً.
فَمَا أَكْثَرَ الْكَلِمَاتِ الَّتِي تَمْلَأُ أَسْمَاعَنَا كُلَّ يَوْمٍ، حَتَّى صِرْنَا لَا نُقِيمُ لَهَا وَزْناً لِكَثْرَةِ مَا تُسْتَخْدَمُ، بِغَضِّ النَّظَرِ عَنْ سَلَامَةِ إِطْلَاقِ مِثْلِ تِلْكَ الْكَلِمَاتِ، وَالنَّاسُ عَادَةً مَا يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ عَلَى مُصْطَلَحِاتٍ يُغَلِّبُونَهَا عَلَى مَعَانٍ تَبْقَى ثَابِتَةً عَلَيْهَا وَقَدْ يَغْفُلُونَ عَنِ الْمَعَانِي الْأَسَاسِيَّةِ الشَّرْعِيَّةِ لِتِلْكَ الْمُصْطَلَحَاتِ.
فَقَدْ يَكُونُ الْمَعْنَى الَّذِي حُمِلَتْ عَلَيْهِ تِلْكَ الْمُصْطَلَحَاتُ لَا يَتَوَافَقُ مَعَ الْمَعْنَى الْوَاسِعِ لِلْكَلِمَةِ، مِمَّا يُؤَدِّي إِلَى تَحْجِيرِ الْمَعَانِي الْوَاسِعَةِ فِي مَعَانٍ ضَيِّقَةٍ، أَوْ مَعَانٍ تَزُولُ مَدْلُولَاتُهَا عَنْ صَاحِبِهَا بِسُرْعَةٍ.
وَأَوْضَحُ مِثَالٍ عَلَى ذَلِكَ اسْتِعْمَالُ النَّاسِ لِكَلِمَةِ (الْفَوْزِ) فِي كَثِيرٍ مِنْ شُؤُونِ حَيَاتِهِمْ، فَلَا يَمْضِي يَوْمٌ لَمْ نَسْمَعْ فِيهِ بِفَوْزِ فَرِيقٍ رِيَاضِيٍّ، أَوْ فَوْزِ صَاحِبِ مُؤَسَّسَةٍ مَالِيَّةٍ بِعُقُودٍ مَالِيَّةٍ ضَخْمَةٍ، بَلْ حَتَّى دَاخِلَ الْبَيْتِ حِينَ يَفُوزُ الرَّجُلُ فِي حَيَاتِهِ بِامْرَأَةٍ مُنَاسِبَةٍ يَتَزَوَّجُهَا.
وَإِنْ كَانَ الْفَوْزُ فِي الُّلغَةِ دَالًّا عَلَى الِانْتِصَارِ وَالْحُصُولِ عَلَى الشَّيْءِ بِمَشَقَّةٍ، غَيْرَ أَنَّ الْفَوْزَ الْحَقِيقِيَّ هُوَ الْفَوْزُ الَّذِي لَا يَنْقَطِعُ، وَالِانْتِصَارُ الَّذِي لَا يَعْقُبُهُ هَزِيمَةٌ، وَالْفَرَحُ الَّذِي لَا يَزُولُ، بَلْ يُلَازِمُ صَاحِبَهُ أَبَداً، وَلِذَلِكَ كَانَ الْفَوْزُ فِي كِتَابِ اللهِ لَهُ مَعْنًى آخَرُ غَيْرَ الْمَعْنَى الَّذِي جَرَتْ عَلَيْهِ أَسْمَاعُ النَّاسِ وَأَلْفَاظُهُمْ.
الْفَوْزُ فِي الْقُرْآنِ لَيْسَ مِثْلَ الْفَوْزِ فِي الدُّنْيَا؛ بَلْ يَخْتَلِفُ عَنْهُ اخْتِلَافاً كَبِيراً، فَقَدْ وَرَدَتْ كَلِمَةُ الْفَوْزِ وَمُشْتَقَّاتُهَا أَكْثَرَ مِنْ إِحْدَى وَثَلَاثِينَ مَرَّةً، لَكِنَّ كَلِمَةَ الْفَائِزِ لَمْ تَرِدْ إِلَّا فِي أَرْبَعَةِ مَوَاضِعَ.
وَالْعَجَبُ فِي تِلْكَ الْمَوَاضِعِ الْأَرْبَعَةِ أَنَّ تَرْتِيبَهَا فِي الْمَعْنَى مُوَافِقٌ لِتَرْتِيبِهَا فِي الْقُرْآنِ، فِي دَلَالَةٍ وَاضِحَةٍ عَلَى مَعْنَى الْفَائِزِ حَقِيقَةً، الَّذِي يَفْرَحُ بِفَوْزِهِ، وَالَّذِي يَسْعَدُ بِبُلُوغِهِ تِلْكَ الْمَرْحَلَةِ الْعَظِيمَةِ.
يَقُولُ اللهُ سُبْحَانَهُ فِي الْمَوْضِعِ الْأَوَّلِ فِي سُورَةِ التَّوْبَةِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (20) يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (21) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التوبة: 20-22].
فَازُوا لِأَنَّهُمْ قَدَّمُوا النَّفْسَ وَالنَّفِيسَ، وَبَذَلُوا الْغَالِيَ وَالرَّخِيصَ، ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللهِ، هُمْ أَعْظَمُ الْفَائِزِينَ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا.
فَازُوا لَمَّا تَرَكُوا الدُّنْيَا وَزُخْرُفَهَا، وَتَعَلَّقُوا بِاللهِ وَحْدَهُ، فَازُوا لَمَّا آمَنُوا بِاللهِ تَعَالَى حَقَّ الْإِيمَانِ، فَازُوا لَمَّا هَجَرُوا الشِّرْكَ وَالْمَعَاصِيَ، فَازُوا لَمَّا بَذَلُوا أَنْفُسَهُمْ رَخِيصَةً فِي سَبِيلِ اللهِ، فَحُقَّ لَهُمْ أَنْ يُبَشِّرَهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَأَنْ يُبَشِّرَهُمْ بِجَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ، خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً، وَمَا عِنْدَ اللهِ أَكْبَرُ.
لِذَلِكَ لَمَّا طُعِنَ حَرَامُ بْنُ مِلْحَانَ يَوْمَ بِئْرِ مَعُونَةَ قَالَ: فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، فُزْتُ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ، فَازَ لِأَنَّهُ حَقَّقَ الْوَصْفَ الْمَطْلُوبَ لِيَكُونَ فَائِزاً، وَحُقَّ لَهُ ذَلِكَ.
لَكِنَّ الْإِيمَانَ طَرِيقٌ طَوِيلٌ، يَحْتَاجُ إِلَى صَبْرٍ وَجَهْدٍ، يَحْتَاجُ إِلَى قُوَّةِ نَفْسٍ تَحْتَمِلُ مَا تَجِدُ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا، رَغْبَةً فِي رِضْوَانِ اللهِ سُبْحَانَهُ، وَلِذَلِكَ جَعَلَ اللهُ الْفَائِزِينَ فِي الْمَوْضِعِ الثَّانِي مَنْ تَحَلَّوْا بِهَذِهِ الصَّفَّةِ.
يَقُولُ اللهُ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ فِي سُورَةِ الْمُؤْمِنُونَ: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (109) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (110) إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [المؤمنون: 109-111].
مَا أَعْظَمَ عَاقِبَةَ الصَّبْرِ الَّذِي يَبْلُغُ بِالْإِنْسَانِ أَسْمَى الْمَرَاتِبِ وَأَعْلَاهَا، صَبَرُوا عَلَى الطَّاعَةِ فَنِعْمَ الصَّبْرُ، فَقَامُوا بِهَا وَرَاغَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَشَهَوَاتِهِمْ لِأَجْلِهَا فَنِعْمَ الصَّبْرُ، وَصَبَرُوا عَنْ مَعْصِيَةِ اللهِ، وَغَالَبُوا النُّفُوسَ عَلَى تَرْكِهَا مَعَ تَعَلُّقِ الْقُلُوبِ الْغَافِلَةِ بِهَا فَنِعْمَ الصَّبْرُ.
صَبَرْتُمْ عَلَى مَا تُلَاقُونَ مِنْ أَذَى النَّاسِ وَسُخْرِيَتِهِمْ فَمَا أَجْمَلَهُ مِنْ صَبْرٍ، حَتَّى صَارَ يَقِينًا عِنْدَ تِلْكَ النُّفُوسِ أَنَّ مَا أَخْطَأَ الْإِنْسَانَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ وَمَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ فَنِعْمَ الصَّبْرُ.
لَمَّا كَانَتِ الْقُلُوبُ عَلَى هَذَا الْمُسْتَوَى مِنَ الْإِيمَانِ وَالصَّبْرِ وَالْيَقِينِ، كَانَ أُولَئِكَ الصِّنْفُ مِنَ النَّاسِ هُمُ الْفَائِزُونَ، يَقُولُ اللهُ سُبْحَانَهُ: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [يوسف: 90].
فَجَزَاءُ الصَّبْرِ وَعَاقِبَتُهُ الْفَوْزُ، وَالصَّابِرُ حَقِيقَةً هُوَ الْفَائِزُ، لَكِنَّ مُخَالَطَةَ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا تَجْمَعُ بَيْنَ الصَّادِقِ وَالْكَاذِبِ، وَتَجْمَعُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ إِيمَاناً ظَاهِراً وَبَاطِناً، وَبَيْنَ مَنْ ظَاهِرُهُ الْإِيمَانُ وَبَاطِنُهُ خِلَافَ ذَلِكَ، فَلِذَا جَعَلَ اللهُ الْفَائِزَ حَقِيقَةً هُوَ مَنْ ظَهَرَتْ حَقِيقَتُهُ فِي مِيزَانٍ دَقِيقٍ، لَا يَنْجَحُ فِيهِ إِلَّا الْفَائِزُ.
يَقُولُ اللهُ تَعَالَى فِي الْمَوْضِعِ الثَّالِثِ فِي سُورَةِ النُّورِ: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور: 51-52] هَؤُلَاءِ هُمُ الْفَائِزُونَ، وَهُمْ مَنْ كَانُوا مُسْتَجِيبِينَ لِأَوَامِرِ اللهِ وَأَوَامِرِ رَسُولِهِ حَقَّ الِاسْتِجَابَةِ، لَا يَنْتَظِرُونَ فِي ذَلِكَ شَيْئاً؛ بَلْ شِعَارُهُمْ : سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا، أَمَّا الْآخَرُونَ الَّذِينَ لَمْ يَصِلُوا لِمَرْحَلَةِ الْفَوْزِ فَقَدْ وَصَفَهُمُ اللهُ قَبْلَ تِلْكَ الْآياَتِ، بِمَا جَعَلَهُمْ يَظْهَرُونَ عَلَى حَقِيقَتِهِمْ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [النور: 48-50].
فَمَا أَعْظَمَ الْفَرْقَ بَيْنَ الْمُسْتَجِيبِينَ للهِ طَوَاعِيَةً، وَبِسُرْعَةٍ، وَبَيْنَ مَنْ أَعْرَضُوا عَنْ ذَلِكَ، فَكَانَتْ نَتِيجَةُ ذِلِكَ الْفَوْزَ الْعَظِيمَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: 71] هُمُ الْفَائِزُونَ حَقَّاً لِأَنَّهُمْ أَطَاعُوا اللهَ وَرَسُولَهُ، حَتَّى صَارُوا سَبَّاقِينَ إِلَى الِاسْتِجَابَةِ لِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ لِأَنَّهُمْ يَرْغَبُونَ فِي الْفَوْزِ بِجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: 5].
أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكُمْ فَاسْتَغْفِرُوهُ، إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.
الْحَمْدُ للهِ وَبَعْدُ:
فَاتَّقُوا الله عِبَادَ اللهِ واعْلَمُوا أَنَّ الْفَوْزَ الْحَقِيقِيَّ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ فَوْزٌ، هُوَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، حِينَ يَتَنَافَسُ الْمُتَنَافِسُونَ فِي الْمَنَازِلِ، فَمِنْ دَاخِلٍ لِلنَّارِ وَالْعِيَاذُ بِاللهِ، وَمِنْ دَاخِلٍ لِلْجَنَّةِ دَارِ الْفَوْزِ، وَلِذَلِكَ جَعَلَ اللهُ الْفَائِزَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الْمَوْضِعِ الرَّابِعِ حَيْثُ يَقُولُ: ﴿لَا يَسْتَوِي أَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [الحشر: 20] هَذَا هُوَ الْفَوْزُ الَّذِي لَا يَعْقُبُهُ هَزِيمَةٌ، هُوَ الْفَوْزُ الَّذِي لَا يَنْتَهِي، هُوَ الْفَوْزُ الَّذِي لَا يَنْقَطِعُ.
فَوْزُهُم فِي تِلْكَ الْمَنْزِلَةِ يَقُولُ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ عَنْهُ: «إِنَّ مُنَادِياً يُنَادِي أَهْلَ الْجَنَّةِ: إِنَّ لَكُمْ أَنْ تَصِحُّوا فَلَا تَسْقَمُوا أَبَداً، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَحْيَوْا فَلَا تَمُوتُوا أَبَداً، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَشِبُّوا فَلَا تَهْرَمُوا أَبَداً، وَإِنَّ لَكُمْ أَنْ تَنْعَمُوا فَلَا تَبْأَسُوا أَبَداً».
هَذَا هُوَ الْفَوْزُ الَّذِي أَمَرَ اللهُ عِبَادَهُ بِالْمُسَارَعَةِ إِلَيْهِ: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران: 185] نَعَمْ هُوَ الْفَائِزُ حَقِيقَةً؛ لِأَنَّ كُلَّ فَوْزٍ قَبْلَ ذَلِكَ لَا قِيمَةَ لَهُ، فَكُلُّ فَوْزٍ دُونَ فَوْزِ الْجَنَّةِ يَبْلَى وَيَزُولُ، لِأَنَّ اللهَ وَصَفَ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ فِي الْقُرْآنِ بِأَنَّهُمْ فَائِزُونَ، وَأَنَّ فَوْزَهُمْ فَوْزٌ عَظِيمٌ: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [النساء: 13] ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [المائدة: 119].
﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 72] ﴿فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [الدخان: 57].
الْفَائِزُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الْجَنَّةِ لَيْسُوا كَالْفَائِزِينَ فِي الدُّنْيَا، فَهُمْ لَمْ يَفُوزُوا عَلَى الضُّعَفَاءِ لِقُوَّةِ أَبْدَانِهِمْ حَتَّى سَبَقُوا غَيْرَهُمْ، وَلَمْ يَفُوزُوا عَلَى الْفُقَرَاءِ لِكَثْرَةِ أَمْوَالِهِمْ؛ بِلْ إِنَّ الْجَنَّةَ يَفُوزُ بِهَا مَنِ اسْتَجَابَ للهِ وَرَسُولِهِ يَفُوزُ بِالْجَنَّةِ عَفِيفٌ مُتَعَفِّفٌ، وَضَعِيفٌ مُتَوَاضِعٌ، ذُو طِمْرَيْنِ مَدْفُوعٍ بِالْأَبْوَابِ، لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللِه لَأَبَرَّهُ، يَفُوزُ بِالْجَنَّةِ مَنْ وَصَفَهُمُ اللهُ بِقَوْلِهِ ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (17) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (18) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ [الذاريات: 17-19].
يَفُوزُ بِالْجَنَّةِ أَقْوَامٌ حَفِظُوا وَصِيَّةَ اللهِ وَرَعَوْا عَهْدَهُ، هُمْ بِرَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ لَا يُشْرِكُونَ، هُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ، اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ، يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ، إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ، وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ، عَنِ الَّلغْوِ مُعْرِضُونَ، لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ، الْفَائِزُونَ بِالْجَنَّةِ فِيهُمْ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ، وَلَا يَتَطَيَّرُونَ، وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ، فِيهُمْ أُنَاسٌ مُتَحَابُّونَ فِي جَلَالِ اللهِ، مِنْ أَنْزَاعٍ شَتَّى.
فِيهُمْ صَاحِبُ الْقُرْآنِ يَقْرَأُ وَيُرَتِّلُ وَيَرْتَقِي، وَفِيهُمْ تَارِكُ الْمِرَاءِ وَلَوْ كَانَ مُحِقِّاً، وَتَارِكُ الْكَذِب وَلَوْ كَانَ مَازِحاً، فِيهُمْ مَنْ أَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَأَفْشَى السَّلَامَ وَصَلَّى بِالَّليْلِ وَالنَّاسُ نِيَامٌ.
الْفَائِزُ بِالْجَنِّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ هُوَ مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبَّهُ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى، ذَلِكُمْ هُوَ الْفَوْزُ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ فَوْزٌ، وَالْانْتِصَارُ الَّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ هَزِيمَةٌ، أَمَّا فَوْزُ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا ، فَمَا مِنْ فَائِزٍ بِشَيْءٍ إِلًّا وَيَخْسَرُهُ، أَوْ لَا يَتَلَذَّذُ بِهِ.
فَأَيْنَ مَنْ يَرْغَبُ الْفَوْزَ؟ وَأَيْنَ مَنْ يَرْغَبُ السِّبَاقَ؟ فَالْبَابُ مَفْتُوحٌ، لَيْسَ فِيهِ شُرُوطٌ، وَلَيْسَ دُونَهُ مَوَانِعُ.
الَّلهُمَّ صَلِّ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ وَالنَّاصِحِ لَهُمْ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ.