مكتبـــــة الخطب

2025-12-14 20:18:01

علاج الفتن عند ورودها

علاج الفتن عند ورودها

الْحَمْدُ للهِ الَّذِي قَالَ فِي كِتَابِهِ الْمُبِينِ: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ (67) وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (68) اللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾ [الحج: 67-69] وَالْحَمْدُ للهِ الْقَائِلِ: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (36) وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُضِلٍّ أَلَيْسَ اللَّهُ بِعَزِيزٍ ذِي انْتِقَامٍ﴾ [الزمر: 36-37] وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهَادَةَ مَنْ خَالَطَتْ كَلِمَةُ التَّوْحِيدِ قَلْبَهُ وَفُؤَادَهُ، فَعِلْمَ مِنْهَا مَا يُحِبُّهُ اللهُ وَيَرْضَاهُ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَصَفِّيُّهُ وَخَلِيلُهُ، هُوَ الْبَشيرُ النَّذِيرُ، بَشَّرَ وَأَنْذَرَ، وَقَالَ وَعَلَّمَ، فَطُوبَى لِمَنْ أَخَذَ بِسَنَتِهِ وَاِقْتَفَى أثَرَهُ، وَاهْتَدَى هُدَاهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ، وَمَنِ اهْتَدَى بِهُدَاهُمْ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ تَقْوَى اللهِ هِيَ السِّلَاحُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مَنْ اتَّقَى اللهَ وَقَاهُ وَحَفِظَهُ: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ [يونس: 62-64]  فَاتَّقُوا الله َـ عِبَادَ اللهِ ـ وَخَافُوا بَطْشَهُ وَعِقَابَهُ.

أَيُّهَا النَّاسُ: تَعَوَّذُوا بِاللهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ مِنَ الْفِتَنِ، مِنَ الْفِتَنِ الَّتِي تُحْرِقُ الدِّينَ وَتُحْرِقُ الْعَقْلَ، وَتُحْرِقُ الْبَدَنَ، وَتُحْرِقُ كُلَّ خَيْرٍ، تَعَوّذُوا بِالله ِمِنْهَا فَإِنَّهُ لَا خَيْرَ فِي فِتْنَةٍ أَبَداً.

فَإِنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ كَانَ يَتَعَوَّذُ مِنَ الْفِتَنِ كَمَا يُحَذِّرُ مِنْهَا،   وَلِهَذَا لَمَّا ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فِي "صَحِيحِهِ" كِتَابَ الْفِتَنِ ابْتَدَأَهُ بِقَوْلِهِ: بَابُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: 25]  وَمَا كَانَ رَسُولُ اللهِ  يُحَذِّرُ مِنَ الْفِتَنِ.

لِأَنَّ الْفِتَنَ إِذَا أَتَتْ فَإِنَّهَا لَا تُصِيبُ الظَّالِمَ وَحْدَهُ، وَإِنَّمَا تُصِيبُ الْجَمِيعَ، وَلَا تُبْقِي لِقَائِلٍ مَقَالًا، وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ عَلَيْنَا أَنْ نَحْذَرَهَا قَبْلَ وُقُوعِهَا، وَأَنْ نُبَاعِدَ أَنْفُسَنَا بُعْدًا شَدِيدًا عَنْ كُلِّ مَا يُقَرِّبُ إِلَى فِتْنَةٍ أَوْ يُدْنِي مِنْهَا، فَإِنَّ مِنْ عَلَامَاتِ آخِرِ الزِّمَانِ كَثْرَةَ الْفِتَنِ كَمَا ثَبَتَ فِي "الصَّحِيحِ" أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ  قَالَ: «يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ وَيَقِلُّ الْعَمَلُ، وَيُلْقَى الشُّحُّ، وَتَكْثُرُ أَوْ قَالَ: تَظْهَرُ الْفِتَنُ».

أَيُّهَا النَّاسُ: قَدْ حَذَّرَنَا اللُه مِنَ الْفِتَنِ فَقَالَ: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ [الأنفال: 25] قَالَ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ: هَذِهِ الْآيةَ ُوَإِنْ كَانَ الْمُخَاطَبُ بِهَا صَحَابَةَ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لَكِنَّهَا عَامَّةٌ لِكُلِّ مُسْلِمٍ، لِأَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ كَانَ يُحَذِّرُ مِنَ الْفِتَنِ.

وَقَالَ أَحَدُ الْمُفَسِّرِينَ: فُسِّرَتِ الْفِتْنَةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِأَشْيَاءَ: مِنْهَا الْمُدَاهَنَةُ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَمِنْهَا التَّفَرُّقُ وَالِاخْتِلَافُ، وَمِنْهَا تَرْكُ الْإِنْكَارِ عَلَى الْبِدَعِ إِذَا ظَهَرَتْ، وَمِنْهَا أَشْيَاءٌ غَيْرُ ذَلِكَ، ثُمَّ قَالَ: وَلِكُلٍ مَعْنًى بِحَسَبِ مَا يَقْتَضِيهُ الْحَالُ.

عِبَادَ اللهِ: إِنَّ ثَمَّةَ فِتَناً تَعْرِضُ لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى مُرُورِ أَيَّامِهِمْ إِذَا لَمْ تُرَاعَ هَذِهِ الْفِتَنُ وَلَمْ يُنْظَرْ إِلَى نَتَائِجِهَا، فَإِنَّهُ سَيَكُونُ الْحَالُ حَالَ سُوءٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ.

وَعَلَى كُلٍّ فَلَا بُدَّ مِنْ مُرُاعَاةِ أُمُورٍ وَضَوَابِطَ حَتَّى يَسِيرَ الْمُسْلِمُ عَلَى وَفْقِ مَا أَرَادَ اللهُ ـ جَلَّ وَعَلَا ـ وَأَرَادَهُ رَسُولُهُ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ.

وَهَذِهِ الْأُمُورُ وَالضَّوَابِطُ لَيْسَتْ مِنْ بُنَيَّاتَ الْعُقُولِ أَوْ تَصَوُّرَاتِ الْأَذْهَانِ؛ بَلْ هِيَ مِنْ مِشْكَاةِ الْكِتَابَ وَالسُّنَّةِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَدْ قَالَ : «إِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ فَسَيَرَى اخْتِلَافاً كَثِيراً، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي، وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ مِنْ بَعْدِي، تَمَسَّكُوا بِهَا، وَعُضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ» وَلَقَدْ رَأَى الصَّحَابَةُ بَعْدَ وَفَاتِهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فِتَناً، ورَأَوُا الِاخْتِلَافَ وَمَا نَجَوْا إِلَّا بِمَا تَمَسَّكُوا بِهِ مِنَ الْقَوَاعِدِ الْوَاضِحَةِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا مُحَمَّدٌ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ.

عِبَادَ اللهِ: إِذَا ظَهَرَتْ فِتْنَةٌ، أَوْ تَغَيَّرَتْ أَحْوَالٌ عَلَى الْمُؤْمِنِ فَإِنَّ أَوَّلَ أَمْرٍ يَنْبَغِي عَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَهُ هُوَ: الرِّفْقُ، وَالتَّأَنِّي، وَالْحِلْمُ، عَلَيْكِ بِالرِّفْقِ، وَعَلَيْكَ بِالتَّأَنِّي وَعَلَيْكَ بِالْحِلْمِ، وَإِيَّاكَ ثُمَّ إِيَّاكَ وَالْعَجَلَةَ.

أَمَّا الرِّفْقُ فَإِنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ فِيمَا ثَبَتَ عَنْهُ فِي "الصَّحِيحِ" «مَا كَانَ الرِّفْقُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، وَمَا نُزِعَ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا شَانَهُ» الرِّفْقُ مَحْمُودٌ فِي الْأُمُورِ كُلِّهَا، جَاءَ فِي "صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ" أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ لِعَائِشَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا ـ: «إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ».

فِي كُلِّ أَمْرٍ عَلَيْكَ بِالرِّفْقِ، عَلَيْكَ بِالتُّؤَدَةِ؛ لِأَنَّ الرِّفْقَ لَا نَدَمَ بَعْدَهُ، وَلَمْ يَكُنِ الرِّفْقُ فِي شَيْءٍ إِلَّا زَانَهُ، فِي الْأَفْكَارِ، فِي الْمَوَاقِفِ، فِيمَا يَجِدُّ، فَيمَا تُرِيدُ أَنْ تَحْكُمَ عَلَيْهِ، فِيمَا تُرِيدُ أَنْ تَتَّخِذَهُ، لَا تَكُنْ مِنَ الْمُتَسَرِّعِينَ، لَا تَكُنْ أَوَّلَ مَنْ يُحَلِّلُ أَوْ يَتَفَلْسَفُ، وَامْتَثِلْ قَوْلَ الرَّسُولِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فِي الرِّفْقِ.

وَأَمَّا الْأَمْرُ الثَّانِي: فَعَلَيْكَ بِالتَّأَنِّي، يُقُولُ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لِأَشّجِّ عَبْدِ الْقَيْسِ: «إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللهُ وَرَسُولُهُ: الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ».

التَّأَنِّي ـ عِبَادَ اللهِ ـ خَصْلَةٌ مَحْمُودَةٌ، وَلِهَذَا قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾ [الإسراء: 11] يَقُولُ أَهْلُ الْعِلْمِ: هَذَا فِيهِ ذَمٌّ لِلْإِنْسَانِ حَيْثُ كَانَ عَجُولاً؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْخَصْلَةَ مَنْ كَانَتْ فِيهِ كَانَ مَذْمُوماً بِهَا، وَلِهَذَا كَانَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ غَيْرَ مُتَعَجِّلٍ.

وَأَمَّا ثَالِثُ الْأُمُورِ السَّابِقَةِ ـ عِبَادَ اللهِ ـ فَهُوَ الْحِلْمُ، الْحِلْمُ فِي الْفِتَنِ، وَعِنْدَ تَقَلُّبِ الْأَحْوَالِ مَحْمُودٌ أَيَّمَا حَمْدٍ؛ لِأَنَّهُ بِالْحِلْمِ يُمْكِنُ رُؤْيَةُ الْأَشْيَاءِ عَلَى حَقِيقَتِهَا، وَبِالْحِلْمِ تُبْصَرُ الْأُمُورُ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ.

وَتَأَمَّلُوا مَعِي ـ أَيُّهَا النَّاسُ ـ هَذَا الْحَدِيثَ وَمَا بَعْدَهُ مِنْ حِوَارٍ، فَإِنَّهُ يَشْرَحُ وَاقِعاً لِكَثِيرٍ مِنْ أَحْوَالِ النَّاسِ، ثَبَتَ فِي "صَحِيحِ الْإِمَامِ مُسْلِمٍ" أَنَّ الْمُسْتَوْرِدَ الْقُرَشِيَّ وَكَانَ عِنْدَهُ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ    ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يَقُولُ: «تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرُّومُ أَكْثَرُ النَّاسِ».

قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ لِلْمُسْتَوْرِدِ: أَبْصِرْ مَا تَقُولُ، فَقَالَ: وَمَا لِيَ لَا أَقُولُ مَا قَالَهُ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ.

قَالَ عَمْرٌو: إِنْ كَانَ كَذَلِكَ فِلَأَنَّ فِي الرُّومِ خِصَالاً أَرْبَعاً: أَنَّهُمْ أَحْلَمُ النَّاسِ عِنْدَ فِتْنَةٍ، وَأَنَّهُمْ أَسْرَعُ النَّاسِ إِفَاقَةً بَعْدَ مُصِيبَةٍ، وَأَوْشَكُهُم كَرَّةً بَعْدَ فَرَّةٍ   وَخَيْرُهُمْ لِمِسْكِينٍ وَضَعِيفٍ وَيَتِيمٍ، وَخَامِسَةٌ حَسَنَةٌ جَمِيلَةٌ وَأَمْنَعُهُمْ مِنْ ظُلْمِ الْمُلُوكِ.

قَالَ شُرَّاحُ صَحِيحِ مُسْلِمٍ: هَذَا الْكَلَامُ مِنْ عَمْرٍو لَا يُرِيدُ أَنْ يُثْنِيَ بِهِ عَلَى الرُّومِ النَّصَارَى الْكَفَرَةِ، لَا؛ وَلَكِنْ لِيُبَيِّنَ لِلْمُسْلِمِينَ أَنَّ بَقَاءَ الرُّومِ وَكَوْنَهُمْ أَكْثَرَ النَّاسِ إِلَى أَنْ تَقُومَ السَّاعَةُ؛ لِأَنَّهُمْ عِنْدَ حُدُوثِ الْفِتَنِ هُمْ أَحْلَمُ النَّاسِ، فَفِيهِمْ مِنَ الْحِلْمِ مَا يَجْعَلُهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَى الْأُمُورِ وَيُعَالِجُونَهَا لِأَجْلِ أَنْ لَا تَذْهَبَ أَنْفُسُهُمْ وَيَذْهَبَ أَصْحَابُهُمْ.

وَلِهَذَا فَإِنَّنَا نَعْجَبُ أَنْ لَا نَأْخُذَ بِهَذِهِ الْخَصْلَةِ الَّتِي حَمِدَ عَلَيْهَا عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ الرُّومَ، وَكَانَتْ فِيهِمْ تِلْكَ الْخَصْلَةُ الْحَمِيدَةُ، وَنَحْنُ أَوْلَى بِكُلِّ خَيْرٍ عِنْدَ مَنْ سِوَانَا.

كَيْفَ الْحَالُ الْيَوْمَ وَالنَّاسُ يَرَوْنَ أَنَّ مَنْ لَمْ يَتَعَجَّلْ فِي الْحَدِيثِ عَنْ وَاقِعِ النَّاسِ فَهُوَ مُدَاهِنٌ أَوْ جَبَانٌ، الْحِلْمُ ـ أَيُّهَا النَّاسُ ـ مَحْمُودٌ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ؛ لِأَنَّهُ يُبَصِّرُ الْعَاقِلَ، فِي الْفِتَنِ يُعْرَفُ الْعَاقِلُ بِحِلْمِهِ وَأَنَاتِهِ وَرِفْقِهِ، الَّلهُمَّ دُلَّنَا عَلَى الْخَيْرِ.

أَيُّهَا النَّاسُ: إِذَا بَرَزَتْ فِتْنَةٌ أَوْ تَغَيَّرَ حَالٌ فَإِنَّ الْقَاعِدَةَ الثَّانِيَةَ الَّتِي نَسِيرُ عَلَيْهَا هِيَ تَطْبِيقُ الْقَاعِدَةِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي تَقُولُ: الْحُكْمُ عَلَى الشَّيْءِ فَرْعٌ عَنْ تَصَوُّرِهِ، لَا تَحْكُمْ عَلَى شَيْءٍ إِلَّا بَعْدَ تَصَوُّرِهِ تَصَوُّرًا تَامَّاً؛ لِأَنَّ اللهَ يَقُولُ: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [الإسراء: 36] يَعْنِي: أَنَّ الْأَمْرَ الَّذِي لَا تَعْلَمُهُ وَلَا تَتَصَوَّرُهُ وَلَسْتَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْهُ فَإِيَّاكَ أَنْ تَتَكَلَّمَ فِيهِ، أَوْ أَنْ تَكُونَ قَائِداً.

وَتَصَوُّرُ مَسْأَلَةٍ مَا لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ تَصَوُّراً كَامِلاً لَهَا مِنْ جَمِيعِ جَوَانِبِهَا، ثُمَّ تَصَوُّرُ حُكْمِ الشَّرْعِ فِيهَا، وَأَنْ لَا تَتَدَاخَلَ مَعَ مَسْأَلَةٍ أَخْرَى تُشَابِهُهُا.

وَلَا بُدَّ أَنْ تُنْقَلَ الْمَسْأَلَةُ وَأَحْدَاثُهَا مِنْ ثِقَاتٍ، لَا تَكُنْ إِمَّعَةً خَلْفَ كَلَامِ مُحَلِّلِينَ أَوْ نَاقِدِينَ قَدْ يَكُونُوا كُفَّاراً أَوْ مُغْرِضِينَ، لَا بُدَّ مِنْ عُدُولٍ ثِقَاتٍ حَتىَّ تُنْقَلَ لَكَ الْحَالُ عَلَى حَقِيقَتِهَا.

أَيُّهَا النَّاسُ: الْقَاعِدَةُ الثَّالِثَةُ الَّتِي يَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ سُلُوكُهَا عِنْدَ الْفِتَنِ هِيَ الْعَدْلُ وَالِإنْصَافُ، يَقُولُ اللهُ سُبْحَانَهُ: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [الأنعام: 152]، ويَقُولُ: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: 8] أَيْ لَا يَحْمِلَنَّكُمْ بُغْضُ قَوْمٍ عَلَى أَنْ تَظْلِمُوهُمْ حُقُوقَهُمْ، وَلَا يَحْمِلَنَّكُمْ حُبُّ قَوْمٍ وَعَاطِفَتُكُمْ نَحْوَهُمْ أَنْ تَجُورُوا مَعَهُم.

قَاعِدَةٌ أُخْرَى ـ أَيُّهَا النَّاسُ ـ هِيَ مِنْ أَهَمِّ الْقَوَاعِدِ، أَلَا وَهِيَ تَطْبِيقُ قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ [آل عمران: 103] .

إِنَّ لُزُومَ الْجَمَاعَةِ مِنْ أَعْظَمِ مَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِ حَالَ الْفِتَنِ، يَقُولُ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «عَلَيْكُمْ بِالْجَمَاعَةِ وَإِيَّاكُمْ وَالْفُرْقَةَ».

وَثَبَتَ فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ عَبْدُ اللهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي "زَوَائِدِ الْمُسْنَدِ" أّنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: «الْجَمَاعَةُ رَحْمَةٌ وَالْفُرْقَةُ عَذَابٌ».

لِهَذَا مَنْ لَزِمَ الْجَمَاعَةَ جَمَاعَةَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَاقْتَدَى بِأَئِمَّتِهِمْ وَعُلَمَائِهِمْ، فَإِنَّهُ قَدْ سَارَ عَلَى الطَّرِيقِ.

وَمَنْ تَفَرَّقَ عَنْهُمْ وَاقْتَدَى بِكُلِّ صَوْتٍ فَقَدْ يَكُونُ ذَهَبَ بِنَفْسِهِ إِلَى بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْعَذَابِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا.

لِهَذَا كَانَ لِزَاماً عَلَى النَّاسِ أَنْ يَسِيرُوا خَلْفَ عُلَمَاءِ الْهُدَى وَالْحَقِّ مِمَّنْ يَقْتَبِسُونَ أَحْكَامَهُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، مِمَّنْ لَا يَسِيرُونَ خَلْفَ عَوَاطِفِ النَّاسِ وَلَا يَتَّبِعُونَ كُلَّ ناَعِقٍ.

لِأَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ مِنْ أُصُولِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ وَمِنَ الْأَدِلَّةِ الشَّرْعِيَّةِ مَا لَا يَعْلَمُهُ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ، وَمَا لَا يَعْلَمُهُ كَثِيرٌ مِمَّنْ يَنْتَسِبُونَ إِلَى الْعِلْمِ أَوْ يُنْسَبُونَ إِلَيْهِ.

الَّلهُمَّ بَصِّرْنَا بِدِينِنَا وَفَقِّهْنَا فِي أُمُورِنَا، وَخُذْنَا إِلَى طَرِيقِكِ الْقَوِيمِ.

أَقُولُ مَا تَسْمَعُونَ، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ فَاسْتَغْفِرُوهُ.

الْحَمْدُ للهِ حَمْداً كَثِيراً كَمَا أَمَرَ، وَأَشْكُرُهُ، وَقَدْ تَكَفَّلَ بِالزِّيَادَةِ لِمَنْ شَكَرَ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وأَشْهَدُ أَنَّ مُحمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.

أَمَّا بَعْدُ: فَأُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ الَّتِي مَنْ أَخَذَ بِهَا عُصِمَ مِنَ الْفِتَنِ.

عِبَادَ اللهِ: إِذَا ظَهَرَتْ فِتْنَةٌ مَا فَإِنَّهُ تَكْثُرُ الرَّايَاتُ الْمَرْفُوعَةُ ـ سَوَاءً رَايَاتُ دُوَلٍ أَوْ دُعَاةٌ ـ كُلُّ يَدْعُو إِلَى رَايَتِهِ، وَيَرَى أَنَّ الْحَقَّ مَعَهُ، فَلَا بُدَّ لِلْمُسْلِمِ تِجَاهَ ذَلِكَ أَنْ يَزِنَ الْأُمُورَ بِمِيزَانِ الشَّرْعِ مِيزَانِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ صَحَابَةِ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ الَّذِي مَنْ وَزَنَ بِهِ، فَإِنَّ وَزْنَهُ سَيَكُونُ قِسْطاً غَيْرَ مُجْحِفٍ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى عَنْ قِسْطِهِ: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: 47].

فَأَيُّ رَايَةٍ كَانَتْ مُخَالِفَةً لِأَصْلِ الدِّينِ وَهُوَ تَوْحِيدُ اللهِ تَعَالَى فَهِيَ رَايَةٌ بَاطِلَةٌ وَأَيُّ رَايَةٍ مُخَالِفَةٍ لِتَحْقِيقِ شَهَادَةِ أَنَّ مُحَمًّداً رَسُولُ اللهِ فَهِيَ بَاطِلَةٌ، وَأَيُّ رَايَةٍ يُسْتَحَلُّ فِيهَا الْحَرَامُ أَوْ يُحَرَّمُ فِيهَا الْحَلَالُ فَهْيَ بَاطِلَةٌ.

يَقُولُ اللهُ سُبْحَانَهُ: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾ [الحج: 41].

وَيَقُولُ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65].

عِبَادَ اللهِ: بَقِيَ أَنْ تَعْلَمُوا أَمْراً لَا بُدًّ مِنْهُ حَالَ أَيِّ فِتْنَةٍ أَوْ تَغَيُّرِ حَالٍ، وَهُو أَنَّ الْكَلَامَ فِي هَذِهِ الْفِتَنِ لَهُ ضَوَابِطُ فَلَيْسَ كُلُّ مَقَالٍ يَبْدُو لَكَ حَسَنًا تُظْهِرُهُ، وَلَيْسَ كُلُّ فِعْلٍ كَذَلِكَ.

لِأَنَّ الْكَلَامَ وَالْفِعْلَ وَقْتَ الْفِتَنِ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَ أُمُورٌ وَأَشْيَاءٌ، وَاسْمَعُوا مَا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ فَإِنَّهُ قَالَ زَمَنَ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ: حَفِظْتُ مِنْ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وِعَاءَيْنِ، أَمَّا الْأَوَّلُ: فَبَثَثْتُهُ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَلَوْ بَثَثْتُهُ لَقُطِعَ هَذَا الْحُلْقُومُ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي "صَحِيحِهِ".

قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ: قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ: لَقُطِعَ هَذَا الْحُلْقُومُ، يَعْنِي أَنَّهُ كَتَمَ الْأَحَادِيثَ الَّتِي ِفي الْفِتَنِ وَالْأَحَادِيثَ الَّتِي فِي بَنِي أُمَيّةَ وَنَحْوَهَا مِنَ الْأَحَادِيثِ، وَهُوَ قَدْ قَالَ ذَلِكَ زَمَنَ مُعَاوِيَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ وَمُعَاوِيَةُ قَدِ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ بَعْدَ فُرْقَةٍ وَقِتَالٍ، كَتَمَهَا لِأَجْلِ أَنْ لَا يَكُونَ هُنَاكَ فِتْنَةٌ فِي النَّاسِ، وَلَمْ يَقُلْ أَبْو هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ إِنَّ قَوْلَ الْحَدِيثِ حَقٌّ وَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ كَتْمَ الْحّقِّ وَالْعِلْمِ، لِمَاذا؟ لِأَنَّ كَتْمَ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بِعَيْنِهِ لَا بُدَّ مِنْهُ لِأَنَّهُ مِنْ تَطْبِيقِ الْعِلْم لِكَيْ لَا يَتَفَرَّقَ النَّاسُ بَعْدَ أَنِ اجْتَمَعُوا.

النَّاسُ ـ عِبَادَ اللهِ ـ لَا يَتَصَوَّرُونَ كُلَّ مَا يَسْمَعُونَ مِنْ كَلَامٍ، فَقَدْ يَفْهَمُونَ الْكَلَامَ عَلَى غَيْرِ مُرَادِ صَاحِبِهِ، وَلِهَذَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ كَمَا فِي "صَحِيحِ مُسْلِمٍ": مَا أَنْتَ مُحَدِّثٌ قَوْماً حَدِيثاً لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُم ْإِلَّا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً، وَلَقَدْ كَانَ كَثْيرٌ مِنَ السَّلَفِ حَالَ الْفِتَنِ يَلْزَمُونَ السُّكُوتَ طَلَباً لِلسَّلَامَةِ فِي دِينِهِمْ، وَأَنْ يَلْقَوا اللهَ جَلَّ وَعَلَا سَالِمِينَ.

وَالْكَلَامُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ يَحْتَاجُ إِلَى مَزِيدِ بَسْطٍ، مَقَامُنَا لَا يَقْتَضِي أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ، الَّلهُمَّ أَرِنَا الْحَقَّ حَقَّاً وَارْزُقْنَا اتِّبَاعَهُ، وَأَرِنَا الْبَاطِلَ بَاطِلاً وَارْزُقْنَا اجْتِنَابَهُ، وَلَا تَجْعَلُهُ مُلْتَبِساً عَلَيْنَا فَنَضِلَّ.

الَّلهُمَّ صَلِّ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ وَالنَّاصِحِ لَهُمْ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ.

 


📄 اضغط لمشاهدة الملف

خطب ذات صلة