مكتبـــــة الخطب

2025-12-14 20:16:59

من المسؤول عن كثرة الطلاق؟

من المسؤول عن كثرة الطلاق؟

الْحَمْدُ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبَهُ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً.

أَمَّا بَعْدُ:

فَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ فِي مَظْهَرِكُمْ وَمَخْبَرِكُمْ: ﴿قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [المائدة: 27] تَقْوَى اللهِ سَبَبٌ لِقُبُولِ الْأَعْمَالِ فَالْزَمُوهَا، وَاعْمَلُوا بِهَا تَصِلُوا إِلَى غَايَةٍ حَمِيدَةٍ: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (45) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ﴾ [الحجر: 45-46].

أَيُّها النَّاسُ: الْإِنْسَانُ مَدَنِيٌّ بِطَبْعِهِ، لَا يَعِيشُ وَحْدَهُ، بَلْ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ رَفِيقٍ وَصَاحِبٍ، وَالْأَصْحَابُ كَثِيرُونَ، وَكُلُّ صَاحِبٍ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لا بُدَّ لَهُ مِنْ رِعَايَةٍ وَعِنَايَةٍ، غَيْرَ أَنَّ فُرْقَةَ الْإِخْوَانَ وَالْأَصْحَابِ هِيَ مِنْ أَصْعَبِ الْأُمُورِ عَلَى الْإِنْسَانِ، فُرْقَةُ الْإِنْسَانِ لِخَدِينِهِ وَصَاحِبِهِ قَدْ تُرَتِّبُ أُمُوراً عَلَى الصَّاحِبَيْنِ هِيَ فَوْقَ تَصَوُّرِ الشَّخْصِ أَحْيَاناً، وَلِهَذَا كَانَ مِنْ وَصَايَا السَّلَفِ: الدِّقَّةُ فِي اخْتِيَارِ الْأَصْحَابِ، وَالْحَذَرُ مِنَ الِاغْتِرَارِ بِكُلِّ حَمْرَاءَ أَنْ تَكُونَ جَمْرَةً.

عِبَادَ اللهِ: إِنَّ رِفْقَةً بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ هِيَ مِنْ أَعْظَمِ آيَاتِ اللهِ سُبْحَانَهُ: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: 21].

مَا أَعْظَمَهَا مِنْ صُحْبَةٍ! وَمَا أَوْثَقَهَا مِنْ عِلَاقَةٍ! الْعِلَاقَةُ الَّتِي تَجْمَعُ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ، وَعَلَى قَدْرِ عِظَمِ هَذِهِ الْعِلَاقَةِ صَعُبَ الطَّرِيقُ الْمُوصِلُ إِلَيْهَا، فَلَا بُدَّ مِنْ شُرِوطٍ، وَانْتِفَاءِ مَوَانِعَ، وَوُجُودِ أَرْكَانٍ.

وَكَثِيرٌ مِنْ شَعَائِرِ الدِّينِ يُؤْمَرُ الْإِنْسَانُ فِيهَا بِالْإِسْرَارِ وَالْخِفْيَةِ إِلَّا هَذِهِ الْعِلَاقَةِ وَهِيَ ارْتِبَاطُ رَجُلٍ وَامْرَأَةٍ فَلَا بُدَّ فِيهَا مِنَ الْإِعْلَانِ.

لِمَاذَا؟ لِعِظَمِ هَذِه الْعِلَاقَةِ، وَحَتَّى يَعْلَمَ النَّاسُ أَنَّ عِلَاقَةً بُنِيَتْ عَلَى عِلْمٍ مِنَ النَّاسَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ انْتِهَاؤُهَا مِنْ أَصْعَبِ الْأُمُورِ.

وَعَلَى قَدْرِ طُولِ الطَّرِيقِ الرَّابِطِ لِهَذِهِ الْعِلَاقَةِ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الطَّرِيقُ الْفَاصِلُ لَهَا طَوِيلاً، وَعَلَى هَكَذَا جَاءَتْ تَشْرِيعَاتُ الْإِسْلَامِ.

عِبَادَ اللهِ: كَلِمَةٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْرُفٍ هِيَ كَالْجِبَالِ، قَدْ تَكُونَ مِعْوَلَ هَدْمٍ لِبُيُوتٍ وَأُسَرٍ، كَلِمَةٌ تَنْقُلُ صَاحِبَهَا مِنْ حَيَاةِ سَعَادَةٍ وَهَنَاءٍ إِلَى مِحْنَةٍ وَشَقَاءٍ، كَلِمَةُ يَسِيرَةٌ خَرَجَتْ مِنْ لِسَانٍ قَدْ لَا يَسْتَوْعِبُ مَا تَؤُولُ إِلَيْهِ تُحَرِّكُ أُسَراً وَجَمَاعَاتٍ لِرَأْبِ مَا صَدَعَتْ، وَجَمْعِ مَا فَرَّقَتْ، إِنَّهَا كَلِمَةٌ أَجْهَشَتْ عُيُوناً، وَأَبْكَتْ قُلُوباً.

كَلِمَةٌ سَهْلَةٌ فِي النُّطْقِ، جَلِيلَةٌ فِي الْوَاقِعِ، حَلَّتْ مِشْوَارَا طَوْيلاً مِنْ التَّعَبِ وَالْمَشَقَّةِ، إِنَّهَا كَلِمَةُ الطَّلَاقِ، كَلِمَةُ الْوَدَاعِ وَالْفِرَاقِ، كَلِمَةُ النِّزَاعِ وَالشِّقَاقِ، فَلِلَّهِ كَمْ هَدَمَتْ مِنْ بُيُوتٍ، وَكَمْ دَمَّرَتْ مِنْ أُسَرٍ، وَكُونُوا جَمِيعاً مَعَ تِلْكَ الْمَرْأَةِ الْمِسْكِينَةِ فِي سَاعَتِهَا تِلْكَ، سَاعَةٌ رَهِيبَةٌ، وَلَحْظَةٌ أَسِيفَةٌ، يَوْمَ تَسْمَعُ الْمَرْأَةُ طَلَاقَهَا، فَتَمْسَحَ دُمُوعَهَا الْمُنْهَمِرَةَ، وَتُوَدِّعَ زَوْجَهَا.

مَا أَصْعَبَهَا مِنْ لَحْظَةٍ حِينَ تُلَمْلِمُ الْمَرْأَةُ لَوَازِمَهَا، وَأَشَدُّ أَسًى مِنْهَا حِينَ تَجْمَعُ أَطْفَالَهَا، وَتُمْسِكُ بِأَيْدِيهِمْ لِتَقِفَ عَلَى بَابِ زَوْجِهَا تُلْقِي نَظَرِاتٍ أَخِيرَةً، نَظَرَاتِ وَدَاعٍ وَفُرَاقٍ عَلَى عُشٍّ امْتَلَأَ بِالذِّكْرَيَاتِ وَالْأَيَّامِ، تَخْرُجُ مِنْ بَيْتٍ أَفْضَتْ فِيهِ بِأُمُورٍ مَا أَفْضَتْ بِهَا فِي بَيْتِ أَبِيهَا وَأُمِّهَا.

تُغَادِرُهُ إِلَى مَصِيرٍ لَا تَعْلَمُ آخِرَهُ، لِتَعُودَ إِلَى بَيْتِ أَبِيهَا وَأُمِّهَا بِغَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي خَرَجَتْ بِهِ مِنْهُ، انْقَلَبَتْ حَيَاتُهَا بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مَلِكَةً وَأَمِيرَةً، صَارَتْ مَمْلُوكَةً كُلٌّ يُعَزِّي حَالَهَا، يَا لهَاَ مِنْ حَالَةٍ عَصِيبَةٍ حِينَ تَقْتَلِعُ السَّعَادَةُ أَطْنَابَهَا مِنَ الْبَيْتِ الْمُسْلِمِ.

أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ الطَّلَاقَ مرَضٌ خَطِيرٌ مَا بَدَا فِي مُجْتَمَعٍ إِلَّا كَادَ أَنْ يُودِيَ بِهِ وَإِنَّ عَدَداً هَائِلاً مِنْ حَالَاتِ الطَّلَاقِ كُلَّ عَامٍ يَبْعَثُ الْأَسَى فِي النُّفُوسِ إِلَى بُيُوتٍ كَانَتْ عَامِرَةً ثُمَّ تَسَاقَطَ بُنْيَانُهَا.

إِنَّ الْمَرَضَ مَا دَامَ فِي جُزْءٍ صَغِيرٍ مِنَ الْجَسَدِ فَإِنَّهُ يُمْكِنُ عِلَاجَهُ، أَمَّا إِذَا انْتَشَرَ فَلَا بُدَّ مِنْ تَضَرُّرِ الْجَسَدِ كُلِّهُ، ثُمَّ لَا بُدَّ مِنْ تَكَاتُفِ أَعْضَاءِ الْجَسَدِ عَلَى دَفْعِ هَذَا الْمَرَضِ، وَإِلَّا اعْتَلَّ الْجَسَدُ كُلُّهُ.

أَتَدْرُونَ مِنَ الْمَسْؤُولُ عَنْ حَالَاتِ الطَّلَاقِ هَذِهِ؟ إِنَّهُ أَنَا وَأَنْتَ، وَكُلُّ مَنْ أَوْرَثَهُ اللهُ دِيناً يَسِيرُ عَلَيْهِ وَعَقْلاً يُبْصِرُ بِهِ.

عِبَادَ اللهِ: ثَمَّةَ قَاعِدَةٌ شَرْعِيَّةُ بِأَنَّ الْكِتَابَ وَالسَّنَةَ مَا تَرْكَا شَيْئاً مِنْ أُمُورِ النَّاسِ إِلَّا وَأَرْشَدَا إِلَيْهِ: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 38] وَإِنَّهُ مَا مَنْ شَأْنٍ مِنْ شُؤُونِ النَّاسِ إِلَّا وَتَجِدُ فِي كِتَابِ اللهِ وَفِي سِنَّةِ نَبِيِّهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ عِلَاجَهَا، لَوْ أَعَادَ النَّاسُ النَّظَرَ فِيهِمَا حَقَّ التَّأَمُّلِ، وَمَا الطَّلَاَقُ إِلَّا صُورَةٌ وَاضِحَةٌ مِنْ صُوِرِ ذَلِكَ، فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَحَادِيثَ جَاءَتْ لِضَمَانِ مُسْتَقْبَلِ الزَّوَاجِ مِنْ بِدَايَتِهِ إِلَى نِهَايَتِهِ، لَوْ أَنَّ كُلَّ زَوْجٍ عَرفَهَا وَلَوْ أَنَّ كُلَّ وَلِيِّ امْرأَةٍ طَبَّقَهَا لَمَا وَقَعَ طَلَاقٌ أَوْ لَعَلَّهُ يَنْدُرُ أَوْ يَقِلُّ.

أَوَّلُهَا: رَوَى الْإِمَامُ التِّرْمِذِيُّ فِي "جَامِعِهِ" أَنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: «إِذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَزَوِّجُوهُ» إِنَّكَ لَنْ تَجِدَ مِعْيَاراً أَضْبَطَ وَلَا أَدَقَّ مِنْ هَذَا الْمِعْيَارِ الَّذِي اخْتَارَهُ الرَّسُولُ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فِي اخْتِيَارِ الْأَزْوَاجِ.

لَكِنْ إِنْ تَرَكَ النَّاسُ اتِّبَاعَ الْهَدْيِ فِي هَذَا فَقَدْ قَالَ الْمُصْطَفَى ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ مُتَوَعِّداً مَنْ تَرَكَ ذَلِكَ بِأَمْرٍ عَظِيمٍ بِقَوْلِهِ: ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ﴾ [الأنفال: 73] وَمَا الطَّلَاقُ وَمَا يَأْتِي بَعْدَهُ مِنْ آلَامٍ وَوَيْلَاتٍ إِلَّا صُورَةٌ مِنْ صُوَرِ الْفِتْنَةِ وَالْفَسَادِ الْكَبِيرِ الَّذِي يَكُونُ.

عِبَادَ اللهِ: إِنَّهُ مَا اخْتَارَ رَجُلٌ أُنْثَى إِلَّا لِأَحَدِ مَطَالِبَ أَرْبَعَةٍ، وَكُلُّهَا سَرِيعَةُ الزَّوَالِ إِلَّا مَطْلَباً وَاحِداً بَاقٍ مَا بَقِيَتْ صِفَتُهُ، يَقُولُ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ: «تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ».

إِنَّ سُوءَ اخْتِيَارِ الزَّوْجَةِ وَقَصْدَ الصَّلَاحِ فِيهَا بِدَايَةُ النِّهايَةِ مِنْ أَوَّلِ الطَّرِيقِ،   وَمَا جَمَعَ الْمَرْءُ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا عَلَى كَثْرَةِ لَذَّاتِهَا وَشَهَوَاتِهَا شَيْئاً هُوَ أفْضَلُ لَهُ بَعْدَ تَقْوَى اللهِ مِنَ الْمَرْأَةِ الصَّالِحَةِ.

رَوَى الْإمَامُ أَحَمْدُ، وَابْنُ مَاجَةَ، أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: «مَا اسْتَفَادَ الْمُؤْمِنُ بَعْدَ تَقْوَى اللهِ خَيْراً لَهُ مِنْ زَوْجَةٍ صَالِحَةٍ، إِنْ أَمَرَهَا أَطَاعَتْهُ، وَإِنْ نَظَرَ إِلَيْهَا سَرَّتْهُ، وَإِنْ أَقْسَمَ عَلَيْهَا أَبَرَّتْهُ، وَإِنْ غَابَ عَنْهَا حَفِظَتْهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ».

مَا أَجْمَلَ النَّتَائِجَ إِذَا كَانَ السَّيْرُ صَحِيحاً، رَوَى الْإمَامُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ أَنَّ الرَّسُولَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: «الدُّنْيَا مَتَاعٌ، وَخَيْرُ مَتَاعِهَا الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ».

أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ أَوَّلَ طَرِيقٍ لِسُلُوكِ بَابِ الطَّلَاقِ سُوءُ اخْتِيَارِ الزَّوْجِ لِزَوْجَتِهِ وَتَصَوُّرُهُ أهَمِّيَّةَ أُمُورٍ يَظُنُّ فِيهَا نَفْعاً، وَيَكْفِيهُ أَنَّهُ خَالَفَ هَدْيَ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ.

أَمَّا ثَانِي الْأَحَادِيثِ: فَهُوَ مَا رَوَاهُ الْإمَامُ أَحَمْدُ وَغَيْرُهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: «أَعَظْمُ النِّسَاءِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُنَّ مَؤُونَةً» فَمَا تِلْكَ التَّكَالِيفُ وَالْمُبَالَغَاتُ الَّتِي تَسْبِقُ الزَّوَاجَ وَتَعْقُبُهُ، مُهُورٌ مُرْتَفِعَةٌ، وَلَائِمُ عَظِيمَةٌ، أَمْوَالٌ مُهْدَرَةٌ، تَكَاليفُ تُجَارَى بِهَا عُقُولُ الضُّعَفَاءِ، أَلَيْسَتْ مُورِثَةً لِلطَّلَاَقِ، وَجَاعِلَةً بَيْتَ الزَّوْجِيَّةِ أَوْهَى مَنْ بَيْتِ الْعَنْكَبُوتِ؟ فَأَيُّ بَرَكَةٍ سَتَكُونُ فِي زَوْجَةٍ امْتَصَّتْ مَاءَ وَجْهِ زَوْجِهَا قَبْلَ أَنْ تَمْتَصَّ مَالَهُ.

إِنَّ الْمَسْؤُولَ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ وَغَيْرِهُ مِنَ الْمُخَالَفَاتِ هُوَ كُلُّ مَنْ وَلِيَ أَمْرَ زَوْجٍ وَزَوْجَةٍ، فَلَا يَخْلُو مِنْ آمِرٍ أَوْ مُقِرٍّ بِدُونِ إِنْكَارٍ، يَقُولُ الْفَارُوقُ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ: «لَا تُغَالُوا فِي صَدَاقِ النِّسَاءِ، فَإِنَّهَا لَوْ كَانَتْ مَكْرُمَةً فِي الدُّنْيَا أَوْ تَقْوَى فِي الْآخِرَةِ كَانَ أَوْلَاكُمْ بِهَا مُحَمَّدٌ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ».

اللَّهُمُّ رُدِّنَا إِلَيْكَ رَدّاً جَمِيلاً، وَهَبْ لَنَا دِيناً يَعْصِمُنَا مِنَ الْفِتَنِ، وَعَقْلاً يَمْنَعُنَا مِنَ الزَّلَلِ.

أَقَوْلُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ.

الْحَمْدُ للهِ حَقَّ حَمْدِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدَهُ وَرَسُولَهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً إِلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ:

فَإِنَّ تَقْوَى اللهِ هِيَ خَيْرُ لِبَاسٍ، فَاجْعَلُوهَا لَكُمْ شِعَاراً وَدِثَاراً.

حَدِيثٌ ثَالِثٌ ابْتَعَدَ عَنْهُ كَثِيرٌ مِنَ الْأَزْوَاجِ فَلَمْ يُطَبِّقُوهُ، فَكَانَ الطَّلَاقُ صُورَةً مِنْ نَتَائِجِ ذَلِكَ، رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: «أَكْمَلُ الْمُؤْمِنَيْنِ إِيمَاناً أَحْسَنُهُمْ خُلُقاً، وَخِيَارُكُمْ خِيَارُكُمْ لِنِسَائِهِمْ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.

إِنَّ الْعِشْرَةَ الزَّوْجِيَّةَ ضَرْبٌ خَاصٌّ مِنَ الْمَحَبَّةِ فِي النَّفْسِ لَيْسَ لَهُ فِي أَنْوَاعِهِ مَثِيلٌ وَلَا ضَرِيبٌ، وَإِنَّ مِنْ تَوْفِيقِ اللهِ لِأهْلِ الْبَيْتِ الْمُسْلِمِ أَنْ يَزْرَعَ حُسْنَ الْعِشْرَةِ فِيهِ، وَإِنَّ شَرَّ الْبُيُوتِ الْبَيْتُ الَّذِي سَاءَتْ فِيهِ الْأخْلَاقُ، وَتَقَطَّعَتْ بَيْنَ أَفْرَادِهِ الصِّلَاتُ، إِنَّ الْعِشْرَةَ الزَّوْجِيَّةَ الْحَسَنَةَ بِهَا تَسْتَقِيمُ الْحَيَاةُ، بِهَا يَسْكُنُ الزَّوْجَانِ بِهَا يَلْتَقِي بَشَرَانِ، يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مُتَمِّمًا لِلْآخَرِ: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: 21].

إِنَّ اخْتِلَالَ الْعِشْرَةِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ يُذْكِي نَارَ الْفُرْقَةِ، وَكَثْرَةُ الْخِصَامِ تُضْرِمُ تِلْكَ النَّارَ، وَلَوْ أَحَبَّ الْأَزْوَاجُ أَنَفُسَهُمْ حُبًّا صَادِقًا، وَسَكَنَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ لَوَادَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا الْآخَرَ.

فَإِنَّ هَذَا التَّآلُفَ وَالتَّأْلِيفَ هُوَ الَّذِي يَتَكَوَّنُ مِنْهُ مِزَاجُ الْأُمَّةِ، فَمَا يَكُونُ مِنِ اعْتِدَالٍ وَكَمَالٍ فِي الْبَيْتِ الْمُسْلِمِ يَكُونُ كَمَالًا وَاعْتِدَالًا فِي بِنْيَةِ الْأُمَّةِ وَمَجْمُوعِهَا، وَمَا يَطْرَأُ عَلَى هَذَا الْبَيْتِ مِنْ فَسَادٍ وَاعْتِلَالٍ يَكُونُ مَرَضَا لِلْأُمَّةِ يُورِدُهَا مَوَارِدُ الْهَلَاكِ، فَمَنْ لَا خَيْرَ فِيهِ لِزَوْجَتِهِ وَأهْلِهِ لَا خَيْرَ فِيهِ لِأُمَّتِهِ، يَقُولُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي».

وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي "صَحِيحِهِ" عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللُه عَنْهُ ـ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «لَا يَفْرَكْ مُؤْمِنٌ مُؤْمِنَةً، إِنْ كَرِهَ مِنْهَا خُلُقاً رَضِيَ مِنْهَا آخَرَ».

أَيُّهَا النَّاسُ: مَا أَجْمَلَ الْجِدَارَ إِذَا كَانَ مُتْقَنَ الْبِنَاءِ مُجَمَّلَ الْأَلْوَانِ، لَكِنْ إِنْ سَقَطَتْ مِنْهُ لَبِنَةٌ يُوشِكُ أَنْ تَسْقُطَ لَبِنَاتٌ، وَإِنَّ حَالَةَ طَلَاٍق وَاحِدَةً تَقَعُ فِي الْمُجْتَمَعِ جَدِيرَةٌ بِأَنْ تُدْرَسَ وَيُسْعَى لِحَلِّهَا، فَكَيْفَ وَالْحَالَةُ حَالَاتٍ.

لَيْسَ عَيْباً أَنْ يَتَدَخَّلَ الْمُصْلِحُونَ بَيْنَ الْمُتَخَاصِمِينَ، لَكِنَّ الْعَيْبَ الَّذِي يُخْشَى مِنْ تَبِعَاتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِينَ يَلْوِي النَّاسُ أَعْنَاقَهُمْ عَنِ الْإِصْلَاحِ وَالنُّصْحِ ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا ﴾ [النساء: 35].

إِنَّ عَقْدَ الزَّوْجِيَّةِ مِنْ أَعْظَمِ الْعُقُودِ الَّتِي يَكُونُ الْمُجْتَمَعُ كُلُّهُ سَبَباً لِبَقَائِهِ أَوْ سَبَباً فِي انْقِطَاعِهِ وَتَدَهْوُرِهِ، وَمَتَى صَارَ الْمُجْتَمَعُ بَيْتًا وَاحِدًا صَارَ أَقْوَى لَهُ وَأَمْتَنَ، اتَّقُوا اللهُ ـ عِبَادَ اللهِ ـ وَاعْرِفُوا لِكُلِّ أَمْرٍ قَدْرَهُ، وَسِيرُوا عَلَى وَفْقِ سُنَّةِ نَبِيِّكُمْ تُفْلِحُوا.

 


📄 اضغط لمشاهدة الملف

خطب ذات صلة