مكتبـــــة الخطب

2025-12-14 20:11:32

الحذر من ظلم العمال

الحذر من ظلم العمال

الْحَمْدُ للهِ حَقَّ حَمْدِهِ، أَفْضَلَ مَا يَنْبَغِي لِجَلَالِ وَجْهِهِ، أَحْمَدُهُ سُبْحَانَهُ لَا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْهِ، هُوَ كَمَا أَثْنَى عَلَى نَفْسِهِ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آَلِهِ وَصَحْبِهِ، وَسَلَّم تَسْلِيماً كَثِيراً.

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللهَ حَقَّ التَّقْوِى، فَلَقَدْ خَصَّكُمْ بِدِينٍ عَظِيمٍ، دِين الْإِسْلَامِ الْحَنِيفِ الَّذِي جَاءَ بِكُلِّ خَيْرٍ وَصَلَاحٍ لِلْبَشَرِيَّةِ جَمْعَاءَ.

أَيُّهَا النَّاسُ: لَقَدْ جَاءَ الْإِسْلَامُ بِتَعْلِيمَاتٍ كَرِيمَةٍ وَمَبَادِئَ مُثْلَى، مَنْ أَخَذَ بِهَا عَزَّ فِي دُنْيَاهُ وَأُخْرَاهُ، وَجَعَلَ هُنَالِكَ مَبْدَأً تَقُومُ عَلَيْهِ، أَلَا وَهُوَ الْعَدْلُ.

الْعدْلُ ـ عِبَادَ اللهِ ـ هُوَ مَصْدَرُ الْأَمْنِ وَالِاسْتِقْرِارِ فِي الْأَرْضِ، هُوَ مَصْدَرُ ضَمَانِ الْحُقُوقِ وَاطْمِئْنَانِ النّفُوسِ.

بِالْعَدْلِ ـ أَيُّهَا الْإِخْوَةُ ـ يَعْمُرُ الْكَوْنُ، وَعَلَيْهِ قَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ بِالْعَدْلِ رَسَتَ لِكُلِّ فَرْدٍ، وَلِكُلِّ جَمَاعَةٍ، وَلِكُلِّ قَوْمٍ، وَلِكُلِّ أُمَّةٍ قَاعِدَةٌ ثَابِتَةٌ لِلتَّعَامُلِ، لَا تَمِيلُ وَلَا تَتَأَثَّرُ بِالْأَهْوَاءِ، وَلَا ِبَمَودَّةٍ وَلَا بْغَضاءَ، لَا تَتَغَيَّرُ مُجَارَاةً لِقَرَابَةٍ، أَوْ مُصَاهَرَةٍ، أَوْ قُوَّةٍ، أَوْ ضَعْفٍ، أَوْ غِنًى، أَوْ فَقْرٍ، إِنَّمَا تَكِيلُ وَتَزِنُ لِلْجَمِيعِ بِمِكْيَالٍ وَاحِدٍ، هُوَ الْعَدْلُ.

عِبَادَ اللهِ: اقْتضَتْ حَكْمَةُ اللهِ أَنْ يُفَاوِتَ بَيْنَ النَّاسِ وَيَجْعَلَهُمْ عَلَى طَبَقَاتٍ: شَرِيفٌ وَوَضِيعٌ، غَنِيٌّ وَفَقِيرٍ، رَئِيسٌ وَمَرْؤُوسٌ، عَالِمٌ وَجَاهِلٌ؛ لِيَحْتَاجَ النَّاسُ بَعْضُهُم ِإِلَى بَعْضٍ.

﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ [الزخرف: 32] يَقُولُ الْمُفَسِّرُونَ: أَيْ: لِيُسَخَّرَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ فِي اْلَأْعَمَالِ والْحِرَفِ وِالصَّنَائِعِ، لَوْ تَسَاوَى النَّاسُ فِي الْغِنَى، وَلَمْ يَحْتَجْ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ لَتَعَطَّلَتْ كَثِيرٌ مِنْ مَصَالِحِهِمْ وَمَنَافِعِهِمْ.

عِبَادَ اللهِ: فِي ظِلَالِ الْعَدْلِ تَطْمَئِنُّ النُّفُوسُ، وَبِامْتِدَادِ رُوَاقِهِ تَسْكُنُ الْقُلُوبُ، أَلَا وَإِنَّ مِنْ صُوَرِ الْعَدْلِ الْوَاضِحَةِ إِنْصَافَ الْأَجِيرِ وَرِعَايَةَ حَقِّهِ كَإِنْسَانٍ يُحِسُّ وَيَشْعُرُ وَيَتَأَلَّمُ كَمَا تَتَأَلَّمُ، وَلِهَذَا فَقَدْ رَسَمَ لَنَا دِينُنَا طَرِيقَ التَّعَامُلِ مَعَ الْأُجَرَاءِ وَالْمُسْتَخْدِمِينَ وَأَوْضَحَهَا أَيَّمَا إِيضَاحٍ؛ بَلْ إِنَّهُ لَا يَخْلُو كِتَابٌ فِقْهِيٌّ مِنْ بَابٍ عُقِدَ فِي بَيَانِ أَحْكَامِ الْإِجَارَةِ وَالْأَجِيرِ.

أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ الْعَدْلَ مَعَ الْأَجِيرِ وَإِعْطَاءَهُ حَقَّهُ وَحُسْنَ التَّعَامُلِ مَعَهُ لَيْسَ خُلُقاً كَرِيماً فَقَطْ؛ بَلْ هُوَ عَمَلٌ صَالِحٌ يُتَقَرَّبُ بِهِ إِلَى اللهِ سُبْحَانَهُ، جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ فَي قِصَّةِ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ أَوَوْا إِلَى غَارٍ، فَانْحَطَّتْ عَلَى فَمِ الْغَارِ صَخْرَةٌ، فَتَوَسَّلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِعَمَلٍ صَالِحٍ عَمِلَهُ، لَعَلَّ اللهَ أَنْ يُفَرِّجَ عَنْهُمْ مَا هُمْ فِيهِ، فَقَالَ أَحَدُهُمْ: الَّلهُمَّ إِنِّي كُنْتُ اسْتَأْجَرْتُ أَجِيراً بِفَرَقِ أَرُزٍّ، فَلَمَّا قَضَى عَمَلَهُ قَالَ: أَعْطِنِي حَقِّي، فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ فَرَقَهُ مِنْ أَرُزٍّ فَرَغِبَ عَنْهُ، فَلَمْ أَزَلْ أَزْرَعُهُ حَتَّى جَمَعْتُ مِنْهُ بَقَراً وَرِعَائِهَا، فَجَاءَنِي يَوْماً فَقَالَ: اتَّقِ اللَّهَ، وَلَا تَظْلِمْنِي حَقِّي، فَقُلْتُ: اذْهَبْ إِلَى تِلْكَ الْبَقَرِ وَرِعَائِهَا فَخُذْهَا، فَأَخَذَ الْبَقَرَ، فَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنِّي فَعَلْتُ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ وَجْهِكَ فَافْرُجْ لَنَا، فَفَرَجَ اللَّهُ عَنْهُمْ.

عِبَادَ اللهِ: قَاعِدَةٌ عَظِيمَةٌ رَسَمَهَا لَنَا دِينُنَا فِي التَّعَامُلِ مَعَ الْأُجَرَاءِ، رَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ أَبِي ذَرٍّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: «إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ جَعَلَهُمُ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلاَ تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَأَعِينُوهُمْ».

نَهَى النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أنْ يُكَلَّفَ الْعَامِلُ فَوْقَ طَاقَتِهِ، فَلَا يُطْلَبُ مِنْهُ مَا يَعْجِزُ عَنْهُ أَوْ يُتْعِبُهُ، رَوَى مُسْلِمٌ فِي "صَحِيحِهِ" أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قالَ: «لِلْمَمْلُوكِ طَعَامُهُ وَكِسْوَتُهُ، وَلَا يُكَلَّفُ مِنَ الْعَمَلِ مَا لَا يُطِيقُ» إِنَّ إِسَاءَةَ الْمُعَامَلَةِ مَعَ الْأَجِيرِ أَوِ الْخَادِمِ يُوِجِدُ صُوَراً مِنَ الْمُخَالَفَاتِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي تَوَعَّدَ اللهُ عَلَيْهَا وَحَذَّرَ مِنْهَا رَسُولُهُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ.

عِبَادَ اللهِ: عَدَمُ إِعْطَاءِ الْأَجِيرِ أُجْرَتَهُ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا، أَوْ تَأْخِيرُ مُسْتَحَقِّهِ مُنْكَرٌ كَبِيرٌ، صَحَّ عَنِ الرَّسُولِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أنَّهُ قَالَ: «أَعْطُوا الْأَجِيرَ أَجْرَهُ قَبْلَ أَنْ يَجِفَّ عَرَقُهُ» حِينَمَا يُحْصَى عَلَى الْعَامِلِ الزَّلَّاتُ وَالْهَفَوَاتُ، ثُمَّ يُمَاطَلُ أَجْرُهُ أَوْ يُؤَجَّلُ أَلَيْسَ ذَلِكَ هَضْماً لِحَقِّهِ؟!

وَلَوْلَا عِظَمُ هَذَا الذَّنْبِ ـ أَيُّهَا الْكُفَلَاءُ ـ لَمْ يَتَكَفَّلِ الرَّسُولُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أنْ يُدَافِعَ عَنْ مِثْلِ هَؤُلَاءِ الْأُجَرَاءِ عِنْدَ اللهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، رَوَى الْإِمَامُ الْبُخَارِيًّ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قالَ: «ثَلَاثَةٌ أَنَا خَصْمُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ رَجُلٌ أَعْطَى بِي ثُمَّ غَدَرَ، وَرَجُلٌ بَاعَ حُرَّاً فَأَكَلَ ثَمَنَهُ، وَرَجُلٌ اسْتَأْجَرَ أَجِيراً فَاسْتَوْفَى مِنْهُ وَلَمْ يُعْطِهِ أُجْرَتَهُ».

أَيُّهَا النَّاسُ: حِينَمَا يَتَعَاقَدُ شَخْصٌ مَعَ آخَرُ عَلَى عَمَلٍ مُعَيَّنٍ فَلَا بُدَّ مِنْ تَحْدِيدِ الْعَمَلِ وَتَحْدِيدِ الْأُجْرَةِ قَبْلَ الْبَدْءِ فِي الْعَمَلِ، فَهَذَا نَبِيُّ اللهِ مُوسَى ـ عَلَيْهِ السَّلاَمُ ـ لَمَّا ذَهَبَ إِلَى الَّرُجِلِ الصَّالِحِ قَالَ لَهُ: ﴿قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ [القصص: 27] فَحَدَّدَ لَهُ الْأُجْرَةَ قَبْلَ أَنْ يُبَيِّنَ لَهُ الْعَمَلَ.

عِبَادَ اللهِ: بِمِثْلِ هَذَا يَسُودُ الصُّلْحُ وَيَتِمُّ الْعَمَلُ وَتَذْهَبُ الْخِلَافَاتُ وَالنِّزَاعَاتُ.

أَيُّهَا النَّاسُ: بِالْخُلُقِ الْحَسَنِ وَحُسْنِ التَّعَامُلِ وَاحْتِرَامِ الْآخَرِينَ يَسُودُ الْحُبُّ وِالْوِئَامُ، وَإِنَّ مِنْ صُوَرِ سُوءِ الْخُلُقِ وَرَدَاءَةِ الطَّبْعِ: أَنْ يَعْمِدَ الْمَخْدُومُ إِلَى خَادِمِهِ فَيَضْرِبَهُ، كَيْفَ ذَاكَ: وَقَدْ نُهِيَ الْمُسْلِمُ أَنْ يَضْرِبَ مَنَ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَيْهِ كَزَوْجِهِ وَوَلَدِهِ إِلَّا ِفي حَالَاتٍ مَحْدُودَةٍ؟!

فَمَا الْحَالُ بِشَخْصٍ لَا يَجْمَعُكَ بِهِ إِلَّا عَقْدٌ يَنْتَهِي عِنْدَ أَجَلِهِ؟! يَقُولُ أَبُو مَسْعُودٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ: كُنْتُ أَضْرِبُ غُلَاماً لِي فَسَمِعْتُ مِنْ خَلْفِي صَوْتاً يَقُولُ: «اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ، للهُ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَيْهِ» فَالْتَفَتُّ فَإِذَا هُوَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، فَهُوَ حُرٌّ لِوَجْهِ اللهِ، فَقَالَ: «أَمَا إِنَّكَ لَوْ لَمْ تَفْعَلْ لَلَفَحَتْكَ النَّارُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ.

لَقَدْ بَلَغَ مِنْ حُسْنِ التَّعَامُلِ مَعَ الْخَادِمِ وَالْأَجِيرِ أَنْ يُعْطَى مِنَ الطَّعَامِ الَّذِي صَنَعَهُ تَطْمِيناً لِخَاطِرِهِ وَإِسْكَاناً لِقَلْبِهِ، رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ فِي "صَحِيحِهِ" عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أنَّهُ قَالَ: «إِذَا أَتَى أَحَدَكُمْ خَادِمُهُ بِطَعَامِهِ فَإِنْ لَمْ يُجْلِسْهُ مَعَهُ فَلْينُاوِلْهُ لُقْمَةً أَوْ لُقْمَتَيْنِ أَوْ أَكْلَةً أَوْ أَكْلَتَيْنِ، فَإِنَّهُ وَلِيَ عِلَاجَهِ» أَيْ: تَوَلَّى صُنْعَهُ وَعَمَلَهُ.

عِبَادَ اللهِ: يَقُولُ الرَّسوُل ُالْكَرِيمُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّباً» وَإِنَّ أَكْلَ أَمْوَالِ الْعُمَّالِ أَوْ الْمُسْتَأْجَرِينَ بِغَيْرِ حَقٍّ لَهُوَ مِنَ الْمَالِ الْحَرَامِ الَّذِي يَأْكُلُهُ صَاحِبُهُ سُحْتاً، وَإِنَّ هُنَاكَ صُورَةً دَائِماً مَا تَتَكَرَّرُ.

حِينَ يَتْرُكُ الْعَامِلُ أَهْلَهُ، وَيَنْقَطِعُ عَنْ أَوْلَادِهِ وَأَطْفَالِهِ، وَيَخْرُجُ مِنْ بَلَدِهِ مَا أَخْرَجَهُ إِلَّا طَلَبُ الرِّزْقِ، يَقْطَعُ الْبِحَارَ وَالْأَنْهَارَ، وَيَسِيرُ فَوْقَ الْجِبَالِ وَالْقِفَارِ يَتَحَمَّلُ أَذَى الْغُرْبَةِ وَيَتَجَرَّعُ أَلَمَ الْوَحْشَةِ، كُلُّ ذَلِكَ لِيُطْعِمَ أَهْلَهُ وَذَوِيهِ، أَتَرَوْنَهُ يَرْضَى أَنْ يَكْدَحَ وَيَتْعَبَ لِيَدْفَعَ الْمَالَ إِلَى غَيْرِهِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُهْضَمُ حَقُّهُ وَيُبْخَسُ نَصِيبُهُ؟!

أَلَيْسَتْ هَذِهِ الصُّورَةُ دَاعِيَةً لِهَذَا الْعَامِلِ أَنْ يَسْلُكَ سُبُلاً مُعْوَجَّةً وَطُرُقاً مُلْتَوِيَةً مِنْ أَسَالِيبِ الْغِشِّ وَالْخِدَاعِ وَالتَّلَاعُبِ بِالنَّاسِ حَتَّى يُوجِدَ لِنَفْسِهِ مَالاً؟!

فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَرَاقِبُوهُ فِي جَمِيعِ أَعْمَالِكُمْ، صَغِيرِهَا وَكَبِيرِهَا، فَإِنَّكُمْ سَتُلَاقُونَ يَوْماً وَصَفَهُ اللهُ بِقَوْلِهِ: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: 47].

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا، وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ لِي وَلَكمْ، فَاسْتَغْفِرُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ.

الْحَمْدُ للهِ الَّذِي أَمَرَ بِالْعَدْلِ فِي كِتَابِهِ الْمُبِينِ، وَنَهَى عَنِ الْجَوْرِ وَالظُّلْمِ وَالْعُدْوَانِ حَتَّى عَلَى الْكَافِرِينَ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ الْمُبِينِ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدَهُ وَرَسُولُهُ، بَعَثَهُ اللهُ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ وَحُجَّةً عَلَى الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهَ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً إَلَى يَوْمِ الدِّينِ.

أَمَّا بَعْدُ: فَاتَّقُوا اللَه ـ عِبَادَ اللهِ ـ فَإِنَّهَا هِيَ الْمَخْرَجُ مِنْ كُلِّ مُشْكِلَةٍ وَمُعْضِلَةٍ ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ [الطلاق: 2].

أَيُّهَا النَّاسُ: ثَلَاثَةُ أُمُورٍ لَا بُدَّ مِنْ تَذَكُّرِهَا عِنْدَ الْحَدِيثِ عَنِ الْعُمَّالِ:

الْأَوَّلُ: أَنْ يَتَذَكَّرَ الْإِنْسَانُ مَا كَان َفِيهِ أَهْلُ هَذِهِ الْبِلَادُ مِنْ ضَنْكِ عَيْشٍ وَفَقْرٍ وَجُوعٍ، وَكَانَ النَّاسُ يَتَفَرَّقُونَ فِي الْبُلْدَانِ بَحْثاً عَنِ الرِّزْقِ وَالمْعَيِشةَ،ِ أَمَا وَإِنَّهُ تَغَيَّرَتِ الْأُمُورِ، فَأَصْبَحَتِ الْبِلَادُ مُسْتَقَرّاً لِلنَّاسِ فِي طَلَبِ رِزْقِهِمْ، فَلَا بُدَّ لِلنِّعْمَةِ مِنْ تَذَكُّرٍ، ثُمَّ لَا بُدَّ لَهَا مِنْ شُكْرٍ: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾ [سبأ: 13].

ثَانِي الْأُمُورِ ـ عِبَادَ اللهِ ـ أَنَّ انْكِبَابَ النَّاسِ عَلَى الْعُمَّالِ وَالْخَدَمِ لَيْسَ مُبَشِّراً بِخَيْرٍ؛ بَلْ إِنَّنَا سَنَرَى أَثَرَ ذَلِكَ عَلَى أَجْيَالٍ قَادِمَةٍ، فَلَيْسَ غَرِيباً أّنْ تُزَفَّ بِنْتٌ إِلَى زَوْجِهَا وَمَا تَعْرِفُ كَيْفَ تصْنَعُ طَعَامَهَا أَوْ كَيْفَ تَخْدُمُ زَوَجْهَا، أَوْ يَضْعَ النَّاسُ ابْنَتَهُم ْعنِدْ َشاَبٍّ لَا يَدْرِي كَيْفَ يُدِيرُ بَيْتَهُ أَوْ يَقْضِي لَوَازِمَ أَهْلِهِ.

أَمَّا ثَالِثُ الْأُمُورِ وَهُوَ أَهَمُّهَا: فَإِنَّ مِنْ أَعْظَمِ مَا أَنْعَمَ اللهُ بِهِ عَلَى هَذِهِ الْبِلَادُ أَنْ رَزَقَهَا سَلَامَةً فِي الْمُعْتَقَدِ، وَوُضُوحاً فِي اْلَمْنهَجِ، فَلَيْسَ غَرِيباً إِذاً: أَنَّ مَنْ خَرَجَ مِنْهَا يَخْرُجُ بِغَيْرِ الْفِكْرِ الَّذِي دَخَلَ بِهِ.

عِبَادَ اللهِ: إِنَّ الدَّعْوَةَ إِلىَ اللهِ لَيْسَتْ قِاصِرَةً عَلَى طَلَاقَةِ لِسَانٍ أَوْ سَيَلَانِ قَلَمٍ، إِنَّ أَعْظَمَ مَا تَكُونُ الدَّعْوَةُ بِالْخًلُقِ الْحَسَنِ، وَإِلَّا فَهَذَا مُحَمَّدٌ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ وَخَوَاتِمَهُ، وَاخْتُصِرَ لَهُ الْكلَامُ اخْتِصَاراً، مَعَ ذَلِكَ يَقُولُ اللهُ عَنْهُ: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: 159].

يَقُولُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ: قَدِمَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ الْمَدِينَةِ وَلَيْسَ لَهُ خَدَمٌ، فَأَخَذَ أبُوْ طَلْحَةَ بِيَدِي، فَانْطَلَقَ بِي، حَتَّى أَدْخَلَنِي عَلَى النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَقَالَ: يَا نَبِيَّ اللِه، إِنَّ أَنَساً غُلَامٌ كَيِّسٌ لَبِيبٌ فَلْيَخْدُمْكَ، قَالَ أَنَسٌ: فَخَدَمْتُهُ فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ عَشْرَ سِنِينِ مِنْ مَقْدَمِهِ الْمَدِينَةِ حَتَّى تُوُفِّيَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ مَا قَالَ لِي عَنْ شَيْءٍ صَنَعْتُهُ: لِمَ صَنَعْتَ هَذَا هَكَذَا؟ وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ منْ أَحْسَنِ النَّاسِ خُلُقاً، وَلَا مَسَسْتُ خَزّاً وَلَا حَرِيراً وَلَا شَيْئاً كَانَ أَلْيَنَ مِنْ كَفِّ رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَلَا شَمَمْتُ مِسْكًا قَطُّ وَلَا عِطْراً كَانَ أَطْيَبَ مِنْ عَرْقِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، وَمُسْلِمٌ، وَهَذَا لَفْظُ الْبَخِاريِّ فِي "الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ".

أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّ حُسْنَ التَّعَامُلِ وَالْخُلُقِ الْحَسَنِ مِنْ أَعْظَمِ صُوَرِ الدَّعْوَةِ إِلَى اللهِ، كَيْفَ وَقَدْ تَيَسَّرَتْ دَعْوَةُ النَّاسِ إِلَى هَذَا الدِّينِ كُلَّ تَيْسِيرٍ.

فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَتَبَصَّرُوا فِي جَمِيع تَصَرُّفَاتِكُمْ، وَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ أَمَرَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى صَاحِبِ الْخُلُقِ الْعَظِيمِ وَالْمَقَامِ الْكَرِيمِ: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56].


📄 اضغط لمشاهدة الملف

خطب ذات صلة