مكتبـــــة الخطب

2025-12-14 17:55:32

الاستغفار للغير

الاستغفار للغير

الْحَمْدُ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبَهُ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً.

أَمَّا بَعْدُ:

الاِسْتِغْفَارُ عِبَادَةٌ مَشْرُوعَةٌ، وَالْإِنْسَانُ بِحَاجَةٍ إِلَى الِاسْتِغْفَارِ مِنَ الْكَرِيمِ الْجَبَّارِ   فَمَا أَكْثَرَ مَا يُذْنِبُ الْإِنْسَانُ، وَمَا أَكْثَرَ مَا يُسْرِفُ عَلَى نَفْسِهِ بِالْمَعَاصِي.

وَمِنْ صُوَرِ الاِسْتِغْفَارِ: اِسْتِغْفَارُ الْأَعْلَى لِلْأَدْنَى وَالْأَدْنَى لِلْأَعْلَى، وَالْحَيِّ لِلْمَيِّتِ، وَالشَّرِيفِ لِلْوَضِيعِ، وَالْوَضِيعِ لِلشَّرِيفِ، وَهَكَذَا.

فَيَجُوزُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ الشَّخْصُ لِغَيْرِهِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ اللهِ تَعَالَى ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ﴾ [محمد: 19].

فَأَمَرَ اللهُ نَبِيَّهُ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ بِالِاسْتِغْفَارِ لَهُ أَوَّلاً، وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثَانِياً، وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 64] وَمِنْ ذَلِكَ الِاسْتِغْفَارُ لِلْأَمْوَاتِ، فَالِاسْتِغْفَارَ عِبَادَةٌ قَوْلِيَّةٌ يَصِحُّ فِعْلُهَا لِلْحَيِّ وَالْمَيِّتِ.

أَمَّا الْأَحْيَاءُ: فَقَدْ جَاءَتْ نُصُوصٌ كَثِيرَةٌ غَيْرُ مَا سَبَقَ تَدُلُّ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الِاسْتِغْفَارِ مِنَ النَّاسِ لِبَعْضِهِمُ الْبَعْضَ، وَأَنْ يَطْلُبُوا ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَهُمْ، سَوَاءٌ كَانَ بِسَبَبٍ أَوْ بِغَيْرِ سَبَبٍ، مِنْ ذَلِكَ: يَقُولُ تَعَالَى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾    [آل عمران: 159] وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا﴾ [الفتح: 11]      وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَأْذَنْ لِمَنْ شِئْتَ مِنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمُ اللَّهَ﴾ [النور: 62].

وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ﴾ [الممتحنة: 12] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ﴾ [المنافقون: 5] وَقَالَ تَعَالَى عَنِ الْمَلَائِكَةِ: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ [غافر: 7] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى: 5].

عِبَادَ اللهِ: أَنْبِيَاءُ الرَّحْمَنِ تَمَثَّلُوا الِاسْتِغْفَارَ لِلْغَيْرِ فَقَالَ سُبْحَانَهُ كَمَا جَاءَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّ اللهِ نُوحٍ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ ـ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِمَنْ دَخَلَ بَيْتِيَ مُؤْمِنًا وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا﴾ [نوح: 28] وَجَاءَ عَلَى لِسَانِ خَلِيلِ الرَّحْمَنِ إِبْرَاهِيمَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ ـ: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم: 41].

وَنَبِيُّنَا ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ كَانَ يَسْتَغْفِرُ لِكُلِّ مَنْ طَلَبَ مِنْهُ ذَلِكَ لِيَجْعَلَهُ مِنْ أَخْلَاقِ أُمَّتِهِ، أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مَا رَوَاهُ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ قَالَ: «لَمَّا فَرَغَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ مِنْ حُنَينٍ، بَعَثَ أَبَا عَامِرٍ عَلَى جَيْشٍ إِلَى أَوْطَاسٍ، فَلَقِيَ دُرَيْدَ بْنَ الصِّمَّةِ فَقُتِلَ دُرَيْدٌ وَهَزَمَ اللهُ أَصْحَابَهُ، قاَلَ أَبُو مُوسَى: وَبَعَثَنِي مَعَ أَبِي عَامِرٍ فَرُمِيَ أَبُو عَامِرٍ فِي رُكْبَتِهِ رَمَاهَ جُشَمِيٌّ بِسَهْمٍ فَأَثْبَتَهُ فِي رُكْبَتِهِ فَانْتَهَيْتُ إِلَيْهِ، فَقُلْتُ: يَا عَمِّ! مَنْ رَمَاكَ؟ فَأَشَارَ إِلَى أَبِي مُوسَى، فَقَالَ: ذَاكَ قَاتِلِي الَّذِي رَمَانِي فَقَصَدْتُ لَهُ فَلَحِقْتُهُ فَلَمَّا رَآَنِي وَلَّى فَاتَّبَعْتُهُ وَجَعَلْتُ أَقُولُ لَهُ: أَلَا تَسْتَحْيِي؟ أَلَا تَثْبُتُ؟ فَكَفَّ، فَاخْتَلَفْنَا ضَرْبَتَيْنِ بِالسَّيْفِ فَقَتَلْتُهُ، ثُمِّ قُلْتُ لِأَبِي عَامِرٍ: قَتَلَ الُله صَاحِبَكَ، قَالَ فَانْزَعْ هَذَا السَّهْمَ فَنَـَزعْتُهُ فَنَزَا مِنْهُ الْمَاءُ، قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي! أَقْرِئِ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ السَّلَامَ وَقُلْ لَهُ: اسْتَغْفِرْ لِي، وَاسْتَخْلَفَنِي أَبُو عَامِرٍ عَلَى النَّاسِ، فَمَكَثَ يَسِيراً ثُمَّ مَاتَ، فَرَجَعْتُ فَدَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فِي بَيْتِهِ عَلَى سَرِيرٍ مُرْمَلٍ وَعَلَيْهِ فِرَاشٌ قَدْ أَثَّرَ رِمَالُ السَّرِيرِ بِظَهْرِهِ وَجَنْبَيْهِ، فَأَخْبَرْتُهُ بِخَبَرِنَا وَخَبَرِ أَبِي عَامِرٍ، وَقَالَ: قُلْ لَهُ اسْتَغْفِرْ لِي، فَدَعَا بِمَاءٍ فَتَوَضَّأَ ثُمَّ رَفَعَ يَدَيْهِ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعُبَيْدٍ أَبِي عَامِرٍ» وَرَأَيْتُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَوْقَ كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِكَ مِنَ النَّاسِ»، فَقُلْتُ: وَلِي فَاسْتَغْفِرْ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ قَيْسٍ ذَنْبَهُ  وَأَدْخِلْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مُدْخَلاً كَرِيماً».

وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ سَرْجِسَ قَالَ  أَتَيْتُ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَهُوَ فِي نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، فَدُرْتُ هَكَذَا مِنْ خَلْفِهِ، فَعَرَفَ الَّذِي أُرِيدُ، فَأَلْقَى الرِّدَاءَ عَنْ ظَهْرِهِ، فَرَأَيْتُ مَوْضِعَ الْخَاتَمِ عَلَى كَتِفَيْهِ مِثْلِ الْجُمْعِ حَوْلَهَا خِيلَانٌ كَأَنَّهَا ثَآَلِيلُ، فَرَجَعْتُ حَتَّى اسْتَقْبَلْتُهُ فَقُلْتَ: غَفَرَ اللهُ لَكَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَقَالَ: «وَلَكَ» فَقَالَ الْقَوْمُ: اسْتَغْفَرَ لَكَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّم ـ فَقَالَ: «نَعَمْ، وَلَكُمْ» ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآَيَةَ ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: 19].

وَقَدْ أَرْشَدَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ إِلَى أَنْ يَحْرِصَ عَلَى مُقَابَلَةِ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، اسْمُهُ: أُوَيْسٌ الْقَرَنِيُّ، وَأَنْ يَطْلُبَ مِنْهُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُ فَقَالَ: «... لَهُ وَالِدَةٌ بِهَا بَرٌّ، لَوْ أَقْسَمَ عَلى اللهِ لَأَبَرّهُ، فَإِنْ اسْتَطَعْتَ أَنْ يَسْتَغْفِر لَكَ فَافْعَلْ»... فَأَتَى أوَيْساً فَقَالَ "اسْتَغْفِرْ لِي.. فَاسْتَغَفَرَ لَهُ" أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أُسَيْرِ بْنِ عَمْرٍو.

وَأَرْشَدَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ الْمُسْلِمَ إِذَا أَكَلَ مِنْ طَعَامِ أَخِيهِ أَنْ يَسْتَغْفِرَ وَيَدْعُوَ لَهُ، فَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ بُسْرٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ قَالَ: نَزَلَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ عَلَى أَبِي، قَالَ: فَقَرَّبْنَا إِلَيْهِ طَعَاماً وَوَطْبَةً فَأَكَلَ مِنْهَا فَقَالَ أَبِي، وَأَخَذَ بِلِجَامِ دَابَّتِهِ: ادْعُ اللهَ لَنَا، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ بَارِكْ لَهُمْ فِي مَا رَزَقْتَهُمْ وَاغْفِرْ لَهُمْ، وَارْحَمْهُمْ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ أَبِي هُرَيْرَةَ لَيْلَةً، فَقالَ: الَّلهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي هُرَيْرَةَ وَلِأُمِّي، وَلِمَنْ اسْتَغْفَرَ لَهُمَا، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ: «فَنَحْنُ نَسْتَغْفِرُ لَهُمَا حَتّى نَدْخُلَ فِي دَعْوَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي "الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ" بِسَنَدٍ حَسَنٍ.

وَذَكَرَ ابْنُ رَجَبٍ فِي جَامِعِ الْعُلُومِ وِالْحِكَمِ: وَكَانَ عُمَرُ يَطْلُبُ مِنَ الصِّبْيَانِ الِاسْتِغْفَارَ، وَيَقُولُ: إِنَّكُمْ لَمْ تُذْنِبُوا، وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ لِغِلْمَانِ الكُتَّابِ: قُولُوا الَّلهُمَّ اغْفِرْ لِأَبِي هُرَيْرَةَ، فَيُؤَمِّنُ عَلَى دُعَائِهِمْ.

وَقَالَ بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: "لَوْ كَانَ رَجُلٌ يَطُوفُ عَلَى الْأَبْوَابِ كَمَا يَطُوفُ الْمِسْكِينُ يَقُولُ: اسْتَغْفِرُوا لِي، لَكَانَ نَوْلُهُ أَنْ يَفْعَلَ، وَمَنْ كَثُرَتْ ذُنُوبُهُ وَسَيِّئَاتُهُ حَتَّى فَاتَتِ الْعَدَدَ وَالْإِحْصَاءَ فَلْيَسْتَغْفِرِ اللهَ مِمَّا عَلِمَ اللهُ، فَإِنَّ اللهَ قَدْ عَلِمَ كُلَّ شَيْءٍ وَأَحْصَاهُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ ﴾ [المجادلة: 6].

وَأَمَّا الْأَمْوَاتُ: فَقَدْ ثَبَتَ فِي السُّنَّةِ مَشْرُوعِيَّةُ الِاسْتِغْفَارِ لَهُمْ فِي حَالَاتٍ، مِنْهَا: عَنْ أُمِّ سَلمَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا ـ قَالَتْ :... لَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ أَتَيْتُ النَّبِيَّ         ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَقُلْتُ: إِنَّ أَبَا سَلَمَةَ قَدْ مَاتَ، قَالَ: «قُولِي: الَّلهُمَّ اغْفِرْ لِي وَلَهُ» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

وَفِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَرَدَ الِاسْتِغْفَارُ لِلْمَيِّتِ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ مِنْهَا: عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ عَلَى جِنَازَةٍ فَحَفِظْتُ مِنْ دُعَائِهِ، وَهُوَ يَقُولُ: «الَّلهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ...» أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ.

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ قَالَ: إِنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ صَلَّى عَلَى جِنَازَةٍ فَقَالَ: «الَّلهُمَّ اغْفِرْ لِحَيِّنَا وَمَيِّتِنَا، وَشَاهِدِنَا وَغَائِبِنَا...» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.

وَعَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهَ ـ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «... الَّلهُمَّ فَاغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ، إِنَّكَ أَنْتَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَةَ.

وَيُنْدَبُ عَقِبَ دَفْن ِالْمَيِّتِ الْمُسْلِمِ أَنْ يَقِفَ جَمَاعَةٌ يَسْتَغْفِرُونَ اللهَ لَهُ، فَعَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ إِذَا فَرَغَ مِنْ دَفْنِ الْمَيِّتِ وَقَفَ عَلَيْهِ وَقَالَ: «اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ وَسَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ، فَإِنَّهُ الْآَنَ يُسْأَلُ» أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.

بَلْ بَيَّنَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أَنَّ أَثَرَ هَذَا الْفِعْلَ كَمَا يَنَالُهُ الْأَحْيَاءُ يَنْتَقِلُ أَثَرُهُ إِلَى الْأَمْوَاتِ حَيْثُ حَثَّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ عَلَى الِاسْتِغْفَارِ لِلْأَمْوَاتِ بَعْدَ دَفْنِهِمْ.

فَقَالَ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ كَمَا رَوَى عَنْهُ عُثْمَانُ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ «اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ وَسَلُوا لَهُ التَّثْبِيتَ فَإِنَّهُ الْآَن َيُسْأَلُ» وَفِي رِوَايَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ        ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّهُ قَالَ: نَعَى لَنَا رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ النَّجَاشِيَّ صَاحِبَ الْحَبَشَةِ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ فَقَالَ: «اسْتَغْفِرُوا لِأَخِيكُمْ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

بَلْ يُشْرَعُ الِاسْتِغْفَارُ لِكُلِّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنةٍ؛ جَمَاعَاتٍ وَفُرَادَى، قَالَ النَّبِيُّ           ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «دَعْوَةُ الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ لأَخِيهِ بِظَهْرِ الْغَيْبِ مُسْتَجَابَةٌ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَقَالَ: «مَنِ اسْتَغْفَرَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالمُؤْمِنَاتِ كَتَبَ الله لَهُ بِكُلِّ مُؤْمِنٍ وَمُؤْمِنَةٍ حَسَنَةً» رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ، بِسَنَدٍ حَسَنٍ.

قَالَ الشَّاطِبِيُّ: إِنَّ التّعَبُّدَاتِ الشَّرْعِيَّةَ لَا يَقُومُ فِيهَا أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ، وَلَا يُغْنِي فِيهَا عَنِ الْمُكَلَّفِ غَيْرُهُ، وَعَمَلُ الْعَامِلِ لَا يَجْتَزِي بِهِ غَيْرُهُ، وَلَا يَنْتَقِلُ بِالْقَصْدِ إِلَيْهِ، وَلَا يَثْبُتُ إِنْ وُهِبَ، وَلَا يُحْمَل إِنْ تُحُمِّلَ، وَذَلِكَ بِحَسَبِ النَّظَرِ الشَّرْعِيِّ الْقَطْعِيِّ نَقْلاً وَتَعْلِيلاً.

لَكِنْ قَدْ جَاءَ فِي النِّيَابَةِ فِي الْعِبَادَاتِ وَاكْتِسَابِ الْأَجْرِ وَالْوِزْرِ مِنَ الْغَيْرِ، وَعَلَى مَا لَمْ يَعْملْ أَشْيَاءٌ، مِنْهَا: الدُّعَاءُ لِلْغَيْرِ، فَإِنَّ حَقِيقَتَهُ خُضُوع للهِ وَتَوَجُّهٌ إِلَيْهِ، وَالْغَيْرُ هُوَ الْمُنْتَفِعُ بِمْقْتَضَى تِلْكَ الْعِبَادَةِ.

وَقَدْ خَلَقَ اللهُ مَلَائِكَةً عِبَادَتُهُمُ الِاسْتِغْفَارُ لِلْمُؤْمِنِينَ خُصُوصاً، وَلِمَنْ فِي الْأَرْضِ عُمُوماً، وَأَرَادَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لِأَبَوَيْهِ وَاسْتَأْذَنَ رَبَّهُ فَمَا أَذِنَ لَهُ، وَنَزَلَ: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: 113].

وَقَالَ فِي عَمِّهِ أَبِي طَالِبٍ: «لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ مَا لَمْ أُنْهَ عَنْكَ» حَتَّى نَزَلَ ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾ [التوبة: 80] وَنَزَلَ: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا﴾ [التوبة: 84] الْآيَةُ.

وَإِنْ كَانَ قَدْ نُهِيَ عَنْهُ، فَلَمْ يُنْهَ عَنِ الِاسْتِغْفَارِ لِمَنْ كَانَ حَيّاً مِنْهُمْ، وَقَالَ          ـ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ـ فِي غَزْوَةِ أُحُدَ لَمَّا أَصَابَهُ مِنْ قَوْمِهِ مَا أَصَابَهُ: «الَّلهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي، فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

وَعَلَى الْجُمْلَةِ، فَالدُّعَاءُ لِلْغَيْرِ مِمَّا عُلِمَ مِنْ دِينِ الْأُمَّةِ ضَرُورَةً.

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ.

الْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ وَبَعْدُ:

إِنَّ كَانَ عَجَباً اسْتِغْفَارُ الْمُؤْمِنِ لِأَخِيهِ، فَإِنَّ ثَمَّةَ أَفْعَالاً مَنْ فَعَلَهَا فَالْكُلُّ يَسْتَغْفِرُ لَهُ، عَلِمَ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، فَلَقَدْ أَخْبَرَ الْمُصْطَفَى ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أَنَّ فِعْلَ الِاسْتِغْفَارِ مَبْثُوثٌ فِي الْكَوْنِ، حَيْثُ إِنَّ كُلَّ خَلَائِقِ اللهِ تَسْتَغْفِرُ لِلْمُؤْمِنِينَ، وَخَصَّ مِنْ ذَلِكَ صَاحِبَ الْعِلْمِ، حَيْثُ رَوَى أَنَسٌ عَنْ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: «صَاحِبُ الْعِلْمِ يَسْتَغْفِرُ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ حَتَّى الْحُوتُ فِي الْبَحْرِ».

وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الدَّرْدَاءِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يَقُولُ: «إِنَّهُ لَيَسْتَغْفِرُ لِلْعَالِمِ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ حَتَّى الْحِيتَانُ فِي الْبَحْرِ» رَوَاهُ ابْنُ مَاجَةَ.

وَتَسْتَغْفِرُ مَلَائِكَةُ رَبِّ الْعَالَمِينَ كَذَلِكَ لِلْمُؤْمِنِينَ فَقَدْ رَوَى عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ        ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ عَنِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «مَا مِنْ رَجُلٍ يعُودُ مَرِيضاً مُمْسِياً إِلَّا خَرَجَ مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ حَتَّى يُصْبِحَ، وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ، وَمَنْ أَتَاهُ مُصْبِحاً خَرَجَ مَعَهُ سَبْعُونَ أَلْفَ مَلَكٍ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ حَتَّى يُمْسِيَ وَكَانَ لَهُ خَرِيفٌ فِي الْجَنَّةِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.

لَقَدْ جَعَلَ اللهُ اسْتِغْفَارَ الْمُؤْمِنِ لِلْمُؤْمِنِ مِنَ الْأَفْعَالِ الْمُحَقِّقَةِ لِلشَّفَاعَةِ حَيْثُ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا ـ عَنِ النَّبِيِّ الْأَمِينِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ أَنَّهُ قَالَ: «مَا مِنْ أَرْبَعِينَ مِنْ مُؤْمِنٍ يَسْتَغْفِرُونَ لِمُؤْمِنٍ، إِلاَّ شَفَّعَهُمُ اللَّهُ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ قَالَ: «تُرْفَعُ لِلْمَيِّتِ بَعْدَ مَوْتِهِ دَرَجَتُهُ فَيَقُولُ: أَيْ رَبِّ، أَيُّ شَيْءٍ هَذِهِ؟ فَيُقَالُ: وَلَدُكَ اسْتَغْفَرَ لَكَ» أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي "الْأَدَبِ الْمُفْرَدِ" بِسَنَدٍ حَسَنٍ.

وَفِي رِوَايَةٍ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَتُرْفَعُ لَهُ الدَّرَجَةُ فِي الْجَنَّةِ، فَيَقُولُ: يَا رَبِّ أَنَّى لِي هَذِهِ؟ فَيُقَالُ بِاسْتِغْفَارِ وَلَدِكَ لَكَ».

فَاتَّقُوا اللهَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ  وَعَلَيْكُمْ بِمَا يَكُونُ سَبَباً لِمَغْفِرَةِ ذُنُوبِكُمْ، فَيَا سَعَادَةَ مَنْ غَفَرَ اللهُ لَهُ بِأَيِّ سَبَبٍ كَانَ.

أَلَا وَإِنَّ مِنْ أَسْبَابِ مَغْفِرَةِ الذُّنُوبِ الصَّلَاةُ عَلَى مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَقَدْ قَالَ: «مَنْ صَلَّى عَلَيَّ صَلَاةً وَاحِدَةً صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْراً».

الَّلهُمَّ صَلِّ وَسَلِّمْ عَلَى عَبْدِكَ وَرَسُولِكَ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ.

 


📄 اضغط لمشاهدة الملف

خطب ذات صلة