مكتبـــــة الخطب

2025-12-14 17:50:57

أسباب الضلال بعد الهدى

أسباب الضلال بعد الهدى

الْحَمْدُ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبَهُ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً.

أَمَّا بعْدُ:

فَأُوصِيكُمْ وَنَفْسِي بِتَقْوَى اللهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ فِي السِّرِّ وَالْعَلَنِ، اجْعَلُوا تَقْوَى اللهِ لَكُمْ شِعَاراً وَدِثَاراً، فَإِنَّهُ لَنْ يَنْجُوَ مِنَ النَّارِ إِلَّا مَنْ رَزَقَهُ اللهُ التَّقْوَى: ﴿ وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (71) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: 71-72].

الدُّنْيَا ـ عِبَادَ اللهِ ـ مَثَلُهَا مَثَلُ مَزْرَعَةٍ مَلِيئَةٍ بِالْأَشْوَاكِ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَسْلَمَ مِنْ أَشْوَاكِهَا وَأَذَاهَا إِلَّا مَنْ عَصَمَ نَفْسَهُ وَتَحَصَّنَ.

وَالْمَرْءُ سَائِرٌ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، تَعْتَرِضُهُ مُكَدِّرَاتٌ وَمُنَغِّصَاتٌ فَإِنْ كَانَ قَوِيّاً فِي دِينِهِ مُتَعَلِّقاً بِرَبِّهِ بَلَغَ الْمَنْزِلَةَ الَّتِي يُرِيدُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ ضَعْفٌ أَوْ كَانَ بَعِيدَ الْعَلَاقَةِ بِاللهِ ـ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ـ فَسَيَهْوِي سَرِيعاً أَمَامَ كُلِّ عَائِقٍ.

أَيُّهَا النَّاسُ: الْحَيَاةُ الْيَوْمَ مَلِيئَةٌ بِالْفِتَنِ الَّتِي وَصَفَهَا رَسُولُ اللهِ ـ صلَّى اللهُ علَيْهِ وسَلَّمَ ـ بِأَنَّهَا كَقِطَعِ الَّليْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِناً وَيُمْسِي كَافِراً، وَيُمْسِي مُؤْمِناً وَيُصْبِحُ كَافِراً، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنْ الدُّنْيَا.

وَلَا يَكَادُ الْمَرْءُ يَخْرُجُ مِنْ فِتْنَةٍ إِلَّا وَتَخْرُجُ لَهُ فِتْنَةٌ أَشَدُّ مِنْهَا، مِمَّا تُمْتَحَنُ عِنْدَهُ قُلُوبُ الرِّجَالُ الْمُؤْمِنِينَ، فَتَرَى فِئَاماً مِنْ النَّاسِ قَدْ تَسَاقَطُوا أَمَامَهَا لَمَّا ضَعُفَ ارْتِبَاطُهُمْ بِاللهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ.

عِبَادَ اللهِ: الثَّبَاتُ عَلَى الدِّينِ وَعَلَى الْمَنْهَجِ الصَّحِيحِ غَيْرُ مَضْمُونٍ لِأَحَدٍ، مَا لَمْ يُصَاحِبْ الْمَرْءَ تَوْفِيقٌ وَحِفْظٌ مِنْ اللهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ.

فَمُحَمَّدٌ ـ صلَّى اللهُ علَيْهِ وسَلَّمَ ـ وَهُوَ خَيْرُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَخَاتَمُ الرُّسُلِ لَمْ يَضْمَنْ لِنَفْسِهِ الثَّبَاتَ عَلَى الدِّينِ إِلَّا بِنَصْرٍ مِنَ اللهِ وَتَوْفِيقٍ: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (74) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا﴾ [الإسراء: 74-75] ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا﴾ [النساء: 113].

وَإِبْرَاهِيمُ خَلِيلُ الرَّحْمَنِ وَأَبُو الْأَنْبِيَاءِ بَعْدَ أَنْ لَاقَى مِنْ قَوْمِهِ مَا لَاقَى، حَتَّى إِذَا مَكَّنَهُ اللهُ مِنْ أَصْنَامِ الْمُشْرِكِينَ دَعَا رَبَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: 35].

لَمْ يَكُنْ ضَامِناً لِنَفْسِهِ الِاسْتِقَامَةَ عَلَى الْخَيْرِ مَا لَمْ يَصْحَبْهُ تَوْفِيقٌ مِنْ اللهِ سُبْحَانَهُ، وَلَمَّا عَرَضَتْ لِيُوسُفَ ـ عَلَيْهِ السَّلَامُ ـ فِتْنَةٌ مِنْ أَعْظَمِ الْفِتَنِ، فَدَعَتْهُ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ عَلِمَ أَنَّهُ لَا نَاصِرَ لَهُ إِلَّا الِاسْتِمْسَاكُ بِاللهِ فِي تِلْكَ الْفِتْنَةِ: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ (33) فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [يوسف: 33-34].

إِنَّ قَلْبَ ابْنِ آدَمَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ لَيْسَ بِالْقَلْبِ الصَّلْبِ أَمَامَ مَجْرَيَاتِ الْحَيَاةِ وَمُدْلَهِمَّاتِ الْفِتَنِ، لِأَنَّهُ مِلْكٌ للهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ يُقَلِّبُهُ كَيْفَ يَشَاءُ، يَقولُ النَّوَّاسُ بْنُ سّمْعَانَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «مَا مِنْ قَلْبٍ إِلَّا بَيْنَ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ رَبِّ الْعَالَمْينَ، إِنْ شَاءَ أَنْ يُقِيمَهُ أَقَامَهُ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُزِيغَهُ أَزَاغَهُ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَةَ، وَمُسْلِمٌ فِي رِوَايَةٍ.

وَعَنْ الْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ ـ رَضِيَ الله عَنْهُ ـ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: «لَقَلْبُ ابْنِ آدَمَ أَشَدُّ تَفَلُّتَاً مِنْ الْقِدْرِ إِذَا اسْتَجْمَعَتْ غَلَيَاناً» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْحَاكِمُ، وَابْنُ مَنْدَهَ.

وَإْذَا أَرَدْتُمْ أَنْ تَعْلَمُوا مِقْدَارَ سُرْعَةِ انْقِلَابِ قَلْبِ ابْنِ آدَمَ أَمَامَ الْفِتَنِ وَالشَّدَائِدِ فَاخْرُجُوا إِلَى الْفَلَاةِ فِي يَوْمٍ شَدِيدِ الرِّيحِ، ثُمَّ ضَعُوا رِيشَةً فِي الْهَوَاءِ، فَكَمَا تَرَوْنَ تَصْرِيفَ الرِّيحِ لِلرِّيشَةِ فَكَذَلِكَ الْقَلْبُ الْخَالِي مِنْ الدِّينِ أَيَّامَ الْفِتَنِ وَالشّدَائِدِ يَقُولُ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «مَثَلُ الْقَلْبِ مَثَلُ الرِّيشَةِ تُقَلِّبُهَا الرِّيحُ بِفَلَاةٍ» رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَابْنُ مَاجَةَ، وَابْنُ أَبِي عَاصِمٍ.

وَلَقَدْ كَانَ هَذَا الْمَعْنَى ـ وَهُوَ تَقَلُّبَ الْقُلُوبِ، وَعَدَمُ ثَبَاتِهَا فِي الْأُمُورِ الْمُدْلَهِمَّةِ ـ دَائِمَ الْحُضُورِ لَدَى رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ تَقُولُ عَائِشَةُ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهَا ـ «كَانَتْ أَكْثَرُ يَمِينِ النَّبِيِّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لَا، وَمُقَلِّبُ الْقُلُوبِ، بَلَى وَمُقَلِّبُ الْقُلُوبِ».

فَهَلْ ثَمَّةَ شَخْصٌ مِنَّا ضَامِنٌ لِنَفْسِهِ السَّلَامَةَ مِنَ الْفِتَنِ بَعْدَ هَذِهِ النُّصُوصِ؟! كَيْفَ إِذَا اجْتَمَعَ مَعَ ذَلِكَ أَنَّ الْمَرْءَ لَا يَعْلَمُ مَا يُخْتَمُ لَهُ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ، وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّ الْأَعْمَالَ بِالْخَوَاتِيمِ، يَقُولُ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ وَإِنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالْخَوَاتِيمِ» رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ.

وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ بِسَنَدٍ حَسَنٍ أَنَّ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قَالَ: «إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِخَوَاتِيمِهَا، كَالْوِعَاءِ إِذَا طَابَ أعَلْاَهُ طَابَ أَسْفَلُهُ، وَإِذَا خَبُثَ أَعْلَاهُ خَبُثَ أَسْفَلُهُ».

إِنَّ ضَعْفَ الْإيمَانِ فِي قُلُوبُ فِئَامٍ مِنَ النَّاسِ جَعَلَهُمْ يَتَهَاوَوْنَ أَمَامَ الْفِتَنِ، وَلَا يَثْبُتُ مِنْهُمْ إِلَّا الْقَلِيلُ، وَتَأَمَّلُوا كَلَامَ هِرَقْلَ مَلِكِ الرُّومِ حِينَمَا زَارَهُ أَبُو سُفْيَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَوَّلَ ظُهُورِ مُحَمَّدٍ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَدَارَ بَيْنَهُمَا عَنْ ذَلِكَ الرَّجُلِ الْمَبْعُوثِ فِي مَكَّةَ.

فَكَانَ مِمَّا قَالَ هِرَقْلُ لِأَبِي سُفْيَانَ: أَيَزِيدُ أَصْحَابُ هَذَا الرَّجُلِ أَمْ يَنْقُصُونَ؟ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: بَلْ يَزِيدُونَ، قَالَ هِرَقْلُ: فَهَلْ يَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سُخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أْنْ يُدْخُلَ فِيهِ؟ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ: لَا.

فَلَمَّا انْتَهَى الْحِوَارُ قَالَ هِرَقْلُ لِأَبِي سُفْيَانَ: وَلَقَدْ سَأَلَتُكَ عَنْ أَصْحَابِهِ أَيَرْتَدُّ أَحَدٌ مِنْهُمْ سُخْطَةً لِدِينِهِ بَعْدَ أَنْ يَدْخُلَ فِيهِ، فَذَكَرْتَ أَنْ لَا، فَكَذَلِكَ الْإِيمَانُ حِينَ تُخَالِطُ بَشَاشَتُهُ الْقَلُوبَ، وَفِي رِوَايَةٍ: وَكَذَلِكَ حَلَاوَةُ الْإيمَانِ لَا تَدْخُلُ قَلْباً فَتَخْرُجُ مِنْهُ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرَهُ.

الْإِيمَانُ لَيْسَ أَعْمَالاً ظَاهِرَةً أَمَامَ النَّاسِ فِي كَثْرَةِ صَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ، بَلْ هُوَ بِمَا وَقَرَ فِي الْقَلْبِ، يَقُولُ أحَدُ السَّلَفِ: لَمْ يَسْبِقْكُمْ أَبُو بِكْرٍ بِكَثْرَةِ صِيَامٍ وَلَا صَلَاةٍ، وَلَكِنْ بِمَا وَقَرَ فِي قَلْبِهِ.

ويَقُولُ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ «ذَاقَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ مَنْ رَضِيَ بِاللهِ رَبّاً وَبِالْإِسْلَامِ دِيناً وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيّاً» وَيَقُولُ: «ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ بِهِنَّ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ: أَنْ يَكُونَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَأَنْ يُحِبَّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلًّا للهِ، وَأَنْ يَكْرَهَ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُقْذَفَ فِي النَّارِ».

أَيُّهَا النَّاسُ: إِنَّهُ لَمَّا ضَعُفَ الْعِلْمُ الشَّرْعِيُّ لَدَى بَعْضِ النَّاسِ، وَضَعُفَ ارْتِبَاطُهُمْ بِالْعُلَمَاءِ الصَّادِقِينَ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ، زَاغَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ عِنْدَ الْفِتَنِ.

الْعِلْمُ لَيْسَ كِتَاباً قَدْ سُطِّرَ وَلَا خُطْبَةً بَارِعَةً، وَلَيْسَ صَوْتاً شَجِيَّاً بِالْقُرْآنِ، الْعِلْمُ مَا وَقَرَ فِي قَلْبِ الْعَالِمِ ثُمَّ أَوْرَثَهُ إيمَاناً وَرُسُوخاً.

وَإِنَّ تَعَلُّقَ النَّاسِ الْيَوْمَ بِأَنْصَافِ الْعُلَمَاءِ، وَظَنَّهِمْ عَدَمَ وُجُودِ مَرْجِعِيَّةٍ عِلْمِيَّةٍ فِي الْأُمُورِ، هُوَ الَّذِي أَوَجَدَ شَوَاذَّ فِي الْمُجْتَمَعِ، فَمَنْ صَاحَ وَعَنَّفَ وَأَمَرَ النَّاسَ بِالْخُرُوجِ وَخَالَفَ السُّنَّةَ فِي كَثِيرٍ مَنْ أُمُورِهِ، فَهُوَ الْعَالِمُ النِّحْرِيرُ.

وَمَنْ أَمَرَ النَّاسَ بِالسُّكُوتِ أيَّامَ الْفِتَنِ، وَلُزُومِ الطَّاعَةِ، وَكَثْرَةِ الدُّعَاءِ وَالْاِسْتِمْسَاكِ بِاللهِ، فَذَاكَ عَالَمٍ فِي قَلْبِهِ دَخَنٌ.

إِنَّ السِّيْرَةَ النَّبَوِيَّةَ حَافِلَةٌ بِالْقِصَصِ وَالْعِبَرِ، وَلَقَدْ ذَكَرَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ قِصَّةَ رَجُلٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَنَا قَتَلَ تِسْعاً وَتِسْعِينَ نَفْساً، ثُمَّ أَرَادَ اللهُ لَهُ الْخَيْرَ، فَبَحَثَ عَنْ عَالِمٍ فَدَلَّهُ النَّاسُ عَلَى عَابِدٍ رَاهِبٍ، فَسَأَلَهُ عَنِ التَّوْبَةِ فَقَالَ لَهُ: كَيْفَ يَتُوبُ اللهُ وَقَدْ قَتَلْتَ هَذَا الْعَدَدَ مِنَ النَّاسِ.

فَمَا كَانَ مِنَ الرَّجُلِ إِلَّا أَنْ أَكْمَلَ بِهَذَا الْعَابِدِ الْمِائَةَ نَفْسٍ فَقَتْلَهُ، ثُمَّ خَرَجَ فَسَأَلَ عَنْ أَعَلَمِ أهْلِ الْأرْضِ، فَدُلَّ عَلَى عَالِمٍ فَسَأَلَهُ عَنِ التَّوْبَةِ فَقَالَ: وَمَنْ يَحُولُ بَيْنَكَ وَبَيْنَهَا؟ اذْهَبْ إِلَى قَرْيَةِ كَذَا فَإِنَّ فِيهَا قَوْماً صَالِحِينَ يَعْبُدُونَ اللهَ فَاعْبُدِ اللهَ مَعَهُمْ.

فَانْظُرُوا كَيْفَ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنَ الذُّنُوبِ بَعْدَ أَنْ وَصَلَ إِلَى الطَّرِيقِ الشَّرْعِيِّ لِلْفَتْوَى.

عِبَادَ اللهِ: إِنَّهُ عَلَى قَدْرِ اسْتِهَانَةِ النَّاسِ بِالذُّنُوبِ وَالْمَعَاصِي عَلَى قَدْرِ سُرْعَةِ انْقِلَابِهِمْ وَتَحَوُّلِهِمْ، يَقُولُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «إِيَّاكُمْ وَمُحَقِّرَاتِ الذُّنُوبِ كَقَوْمٍ نَزَلُوا بَطْنَ وَادٍ فَجَاءَ ذَا بِعُودٍ وَذَا بِعُودٍ، حَتَّى أَنْضَجُوا خُبْزَتَهُمْ، وَإِنَّ مُحَقِّرَاتِ الذُّنُوبِ مَتَى يُؤْخَذْ بِهَا صَاحِبُهَا تُهْلِكْهُ» رَوَاهُ أَحَمْدُ وَالطَّبَرَانِيُّ بِسَنَدٍ حَسَنٍ.

وَإِنَّ إِعْجَابَ الْمَرْءِ بِمَا عَمَلَهُ مِنْ أَعْمَالٍ تُورِثُ فِي قَلْبِهِ عِزَّةً وَكِبْرِيَاءَ، فَمَا أَسْرَعَ مَا يَنْقَلِبُ حَالُ الْمِحَنِ، وَأَوَّلُ مُعْجَبٍ بِعَمَلِهِ إبْلِيسُ عَدُوُّ بَنِي آدَمِ: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [ص:76].

الْإِعْجَابُ يُورِثُ عِنْدَ صَاحِبِهِ شُعُوراً بِالْكَمَالِ، وَيُزِيلُ عَنْهُ الْخَوْفَ مِنْ سُوءِ الْخَاتِمَةِ، فَيَغْفُلُ قَلْبُهُ عَنِ الاِسْتِمْسَاكِ بِاللهِ، يَقُولُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فِي الْحَديثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ: «لَنْ يُنْجِيَ أَحَدًا مِنْكُمْ عَمَلُهُ؟ قَالُوا: وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: وَلَا أَنَا، إِلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللهُ بِرَحْمَتِهِ، سَدِّدُوا وَقَارِبُوا وَاغْدُوا وَرُوحُوا وَشَيْءٌ مِنَ الدُّلْجَةِ وَالْقَصْدَ الْقَصْدَ تَبْلُغُوا» ثُمَّ إِنَّ مِمَّا يُسَارِعُ فِي زَيْغِ النَّاسِ أَمَامَ مُدْلَهِمَّاتِ الْأُمُورِ قِلَّةَ الصَّبْرِ، وَالْجَزَعَ عِنْدَ الْمُصِيبَةِ، كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ «حُجِبَتِ النَّارُ بِالشَّهْوَاتِ وَحُجِبَتِ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ» مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

فَالْجَنَّةُ لَنْ يَطَالَهَا إِلَّا مُؤْمِنٌ صَابِرٌ، رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ الْتَقَى هُوَ وَالْمُشْرِكُونَ فَاقْتَتَلُوا، فَلَمَّا مَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ إِلَى عَسْكَرِهِ وَمَالَ الْآَخَرُونَ إِلَى عَسْكَرِهِمْ، وَفِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ رَجُلٌ لَا يَدَعُ لَهُمْ شَاذَّةً وَلَا فَاذَّةً إِلَّا اتَّبَعَهَا يَضْرِبُهَا بِسَيْفِهِ فَقَالُوا: مَا أَجَزَأَ مِنَّا الْيَوْمَ أَحَدٌ كَمَا أَجَزَأَ فُلَانٌ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «أَمَا إِنَّهُ مَنْ أهْلِ النَّارِ» فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ أَنَا صَاحِبُهُ، قَالَ: فَخَرَجَ مَعَهُ كُلَّمَا وَقَفَ وَقَفَ مَعَهُ، وَإِذَا أَسْرَعَ أَسْرَعَ مَعَهُ، قَالَ: فَجُرِحَ الرَّجُلِ جُرْحاً شَدِيداً فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ بِالْأرْضِ وَذُبَابِهِ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَى سَيْفِهِ، فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَخَرَجَ الرَّجُلُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنَّكَ رَسُولُ اللهِ: «قَالَ: وَمَا ذَاكَ؟»

قَالَ: الرَّجُلُ الَّذِي ذَكَرَتْ آنِفاً أَنَّهُ مَنْ أهْلِ النَّارِ فَأعْظَمَ النَّاسُ ذَلِكَ، فَقُلْتُ أَنَا لَكُمْ بِهِ، فَخَرَجَتْ فِي طَلَبِهِ، ثُمَّ جُرِحَ جُرْحاً شَدِيداً فَاسْتَعْجَلَ الْمَوْتَ  فَوَضَعَ نَصْلَ سَيْفِهِ فِي الْأرْضِ وَذُبَابَهُ بَيْنَ ثَدْيَيْهِ، ثُمَّ تَحَامَلَ عَلَيْهِ فَقَتَلَ نَفْسَهُ  فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ عِنْدَ ذَلِكَ: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ الْجَنَّةِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ عَمَلَ أَهْلِ النَّارِ فِيمَا يَبْدُو لِلنَّاسِ وَهُوَ مَنْ أهْلِ الْجَنَّةِ» ﴿الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ [العنكبوت: 1-3].

أَقُولُ قَوْلِي هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللهَ.

الْحَمْدُ للهِ وَحْدَهُ وَبَعْدُ.

فَاتَّقُوا اللهَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى، وَاعْلَمُوا أَنَّ ثَمَّةَ أَمْرَيْنِ اِثْنَينِ مَتَى اسْتَمْسَكَ بِهُمَا النَّاسُ وَصَلُوا إِلَى مَا يُرِيدُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالشِّدَّةَ وَالْبَلَاءَ.

أَمَّا الْأَوَّلُ: فَهُوَ الاِسْتِمْسَاكُ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ مُحَمَّدٌ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَأَصْحَابُهُ مِنَ الْهُدَى وَالْخَيْرِ، فَكُلُّ أَمْرٍ جَدِيدٍ مُحْدَثٍ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ عَمَلَهُ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَلَا عَمَلُ أَصْحَابِهِ مِنْ بَعْدِهِ، فَهُوَ عَمَلٌ لَا حَاجَةَ لِلدِّينِ فِيهِ، وَمَا يَزِيدُ صَاحِبَهُ إِلَّا بُعْداً عَنِ اللهِ ـ عَزَّ وَجَلَّ ـ يَقُولُ الْعِرْبَاضُ بْنُ سَارِيَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ ذَاتُ يَوْمٍ، ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَوَعَظَنَا مَوْعِظَةً بَليغَةً ذَرَفَتْ مِنْهَا الْعُيُونُ وَوَجِلَتْ مِنْهَا الْقَلُوبُ؛ فَقَالَ قَائِلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَأَنَّ هَذِهِ مَوْعِظَةُ مُوَدِّعٍ، فَمَاذَا تَعْهَدُ إِلَيْنَا؟ فَقَالَ: «أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللهِ، وَالسَّمْعِ وَالطَّاعَةِ وَإِنْ عَبْداً حَبَشِيّاً، فَإِنَّهُ مَنْ يَعِشْ مِنْكُمْ بِعْدِي فَسَيَرَى اخْتِلَاَفاً كَثِيراً، فَعَلَيْكُمْ بِسُنَّتِى وَسُنَّةِ الْخُلَفَاءِ الْمَهْدِيِّينَ الرَّاشِدِينَ، تَمَسَّكُوا بِهَا وَعُضُّوا عَلَيْهَا بِالنَّوَاجِذِ، وَإِيَّاكُمْ وَمُحْدَثَاتِ الْأُمُورِ، فَإِنَّ كُلَّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ، وَكُلَّ بِدْعَةٍ ضَلَاَلَةٌ» وَلَمَّا أَخَبَرَ أَصْحَابَهُ بِأَنَّهُمْ سَيَلْقَوْنَ بَعْدَهُ فِتَناً وَأثَرَةً، قَالُوا: فَمَا الْمَخْرَجُ مِنْهَا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «كِتَابُ اللهِ وَسُنَّتِي».

فَعَلَيْكُمْ ـ عِبَادَ اللهِ ـ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَالتَّمَسُّكِ بِغَرْزِ الْعُلَمَاءِ النَّاصِحِينَ الْمُرْتَبِطِينَ بِاللهِ، وَلَا تَغُرَّنَّكُمْ الْمَظَاهِرُ وَالدِّعَايَاتُ: ﴿فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ﴾ [الرعد: 17].

أَمَّا الْأَمْرُ الثَّانِي: الَّذِي يُوصِلُ إِلَى الْمُبْتَغَى وَيُنَالُ بِهِ الْمَطْلُوبُ فِي كُلِّ الْأُمُورِ فَهُوَ الْمَفْزَعُ عِنْدَ الشَّدَائِدِ وَالْمَلْجَأُ عِنْدَ النَّكْبَاتِ، وَهُوَ الْعِلَاجُ عِنْدَ الْمَرْضَى، إِنَّهُ الْبَابُ الْمَفْتُوحُ وَالطَّرِيقُ الْمَسْلُوكُ إِلَى مَلِكِ الْمُلُوكِ، عَبْرَ سُؤَالِهِ والُّلجْوءِ إِلَيْهِ بِالدُّعَاءِ.

الدُّعَاءُ دَأَبُ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّالِحَيْنِ فِي كُلِّ أُمُورِهِمْ، كَانَ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَهُوَ الْمَحْفُوظُ بِحِفْظِ اللهِ وَكَلَأَتِهِ، يَكْثُرُ مَا يَقُولُ: «اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالَمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ، اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ، إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ» رَوَاهُ مُسْلِمٌ.

وَقَالَ أَنْسٌ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ: كَانَ رَسُولَ اللهِ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ كَثِيراً مَا يَقُولُ: «يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِي عَلَى دِينِكَ».

وَكَانَ مَنْ أَدْعِيَتِهِ: «اللَّهُمَّ زِدْنِي عِلْماً وَلَا تُزِغْ قَلْبِي بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنِي، وَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ».

وَكَانَ يَقُولُ: «الَّلهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو، فَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ، وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلَّهُ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ».

وَإِذَا قَامَ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْمَيِّتِ قَالَ: «الَّلهُمَّ مَنْ أَحْيَيْتَهُ مِنَّا فَأَحْيِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ، وَمَنْ تَوَفَّيْتَهُ مِنَّا فَتَوَفَّهُ عَلَى الْإِيمَانِ».

وَاللهُ سُبْحَانَهُ قَدْ قَالَ: «يَا عِبَادِي: كُلُّكُمْ ضَالٌّ إِلَّا مَنْ هَدَيْتُهُ، فَاسْتَهْدُونِي أَهْدِكُمْ».

وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مَعَ رُسُوخِهِمْ فِي الْعِلْمْ فَقَدْ ذَكَرَ اللهُ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴾ [آل عمران: 8].

فَأُوصِيكُمْ ـ عِبَادَ اللهِ ـ بِالْإِكْثَارِ مِنْ سُؤَالِ اللهِ الثَّبَاتَ عَلَى الدِّينِ وَالِاسْتِقَامَةَ عَلَى الْهُدَى حَتَّى الْمَمَاتِ لَكُمْ وَلِذُرِّيَّاتِكُمْ.

الَّلهُمَّ يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قُلُوبَنَا عَلَى دِينِكَ، الَّلهُمَّ يَا مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ وَالْأَبْصَارِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ.

﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ ﴾ [آل عمران: 8].

الَّلهُمَّ ثَبِّتْنَا وَذُرِّيَّاتِنَا عَلَى الْقَوْلِ الْحَقِّ لَا نَزِيغُ عَنْهُ وَلَا نَضِلُّ.

 


📄 اضغط لمشاهدة الملف

خطب ذات صلة