الْحَمْدُ للهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، وَنَعُوذُ بِاللهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا، وَمِنْ سَيِّئَاتِ أَعْمَالِنَا، مَنْ يَهْدِهِ اللهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ، وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ لَا إلَهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبَهُ وَسَلَّمَ تَسْلِيماً كَثِيراً.
عِبَادَ اللهِ: أَخْرَجَ ابْنَ مَاجَةَ فِي سُنَنِهِ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ: «حَدٌّ يُعْمَلُ بِهِ فِي الْأَرْضِ خَيْرٌ لِأَهْلِ الْأَرْضِ مِنْ أَنْ يُمْطَرُوا أَرْبَعِينَ صَبَاحاً» هَذَا لَفْظُ ابْنِ مَاجَةَ.
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ـ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ـ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ: «يَوْمٌ مِنْ إِمَامٍ عَادِلٍ أَفْضَلُ مِنْ عِبَادَةِ سِتِّينَ سَنَةً، وَحَدٌّ يُقَامُ فِي الأرْضِ بِحَقِّهِ أَزْكَى فِيهَا مِنْ مَطَرِ أَرْبَعِينَ عَاماً» قَالَ الْمُنْذِرِيُّ ـ رَحِمَهُ اللَّهُ ـ: رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ، وَهُوَ غَرِيبٌ بِهَذَا اللَّفْظِ انْتَهَى، وَهُوَ بِاللَّفْظِ الْأَوَّلِ حَدِيثٌ حَسَنٌ؛ فَإِنَّ لَهُ طُرُقاً وَشَوَاهِدَ يَتَقَوَّى بِهَا.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: لَقَدْ شَرَعَ اللهُ تَعَالَى الْقَصَاصَ وَالْحُدُودَ وَالتَّعْزِيرَاتِ لِحِكَمٍ بَالِغَةٍ وَمَصَالِحَ عُظْمَى؛ فَهِيَ مِنْ مَظَاهِرِ ـ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى ـ بِعِبَادِهِ، وَلُطْفِهِ ـ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ـ بِهِمْ؛ إِذْ هِيَ عَامْلٌ مَنْ أَكْبَرِ الْعَوَامِلِ لِلْحِفَاظِ عَلَى الضَّرُورِيَّاتِ الْخَمْسِ: الدِّينُ وَالنَّفْسُ وَالْعَقْلُ وَالْعِرْضُ وَالْمَالُ، وَالَّتِي مَتَى مَا حُفِظَتْ اسْتَقَرَّ الْمُجْتَمَعُ وَأَمِنَ وَاطْمَأَنَّ، وَهَذَا الْمَقْصِدُ وَهُوَ أَمْنُ الْمُجْتَمَعِ مَطْلَبٌ لِجَمْيعِ الْبَشَرِ، يَسْعَوْنَ إِلَى الظَّفَرِ بِهِ وَتَحْصِيلِهِ مَهْمَا كَلَّفَهُمْ مِنْ ثَمَنٍ، وَهُوَ ـ يَا عِبَادَ اللهِ ـ مُودَعٌ فِي تَنْفِيذِ الْقَصَاصِ وَالْحُدُودِ وَالتَّعْزِيرَاتِ الَّتِي شَرَعَهَا اللهُ ـ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ـ ، وَلِذَا فَإِنَّ إِقَامَةَ حَدٍّ فِي الْأَرْضِ خَيْرٌ لِأَهْلِهَا مِنْ مَطَرٍ نَافِعٍ يَسْتَمِرُّ أَرْبَعِينَ يَوْماً مُتَتَالِيَةً، أَرَأَيْتُمْ كَيْفَ يَعْظُمُ انْتِفَاعُ النَّاسِ بِمِثْلِ هَذَا الْمَطَرِ؟! إِنَّ إِقَامَةَ حَدٍّ وَاحِدٍ أَعْظَمُ نَفْعاً لَهُمْ وَأَكْثَرُ فَائِدَةً مِنْ هَذَا الْمَطَرِ النَّافِعِ الْمُسْتَمِرِّ.
عِبَادَ اللهِ: لَقَدْ شَرَعَ اللهُ تَعَالَى حَدَّ الرِّدَّةِ حِمَايَةً لِحُرْمَةِ الدِّينِ، وَشَرَعَ الْقَصَاصَ فِي النَّفْسِ وَالْأَطْرَافِ حِمَايَةً لِحُرْمَةِ النَّفْسِ، وَشَرَعَ حَدَّ الْخَمْرِ حِمَايَةً لِحُرْمَةِ الْعَقْلِ، وَشَرَعَ تَعَالَى حَدَّ الزِّنَا وَحَّدَ الْقَذْفِ حِمَايَةً لِحُرْمَةِ الْأَعْرَاضِ، وَشَرَعَ اللهُ ـ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ـ حَدَّ السَّرِقَةِ حِمَايَةً لِحُرْمَةِ الْمَالِ، وَجَاءَ حَدُّ الْحِرَابَةِ أَغْلَظَ الْحُدُودِ؛ لِأَنَّ الْحِرَابَةَ بِهَا حِفْظُ حُرُمَاتِ الْمُجْتَمَعِ كُلِّهَا، فَإذَا طُبِّقَتْ هَذِهِ الْحُدُودُ عَمَّ النَّفْعُ الْأَفْرَادَ وَالْجَمَاعَاتِ وَالدَّوْلَةَ؛ لِمَا فِي تَنْفِيذِهَا مِنْ امْتِثَالِ أَمَرِ اللهِ تَعَالَى وَإِقَامَةِ شَرْعِهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ [البقرة: 178] وَلِمَا فِي تَنْفِيذِهَا مِنْ رَدْعٍ وَزَجْرٍ وَتَخْوِيفٍ يُضَيِّقُ مَجَالَ الْجَرِيمَةِ وَيَحُدُّ مِنْ انْتِشَارِهَا: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [البقرة: 179] وَذَلِكَ لِأَنَّ مَنْ أَرَادَ الْقَتْلَ وَعَلِمَ أَنَّهُ سَيُقْتَلُ انْزَجَرَ وَذُعِرَ؛ فَلَمْ يُقْدِمْ عَلَى جَرِيمَتِهِ، وَبِذَلِكَ تُحْقَنُ الدِّمَاءُ وَتَنْقَلِعُ الْأَشْقِيَاءُ.
وَهَكَذَا ـ يَا عِبَادَ اللهِ ـ سَائِرُ الْحُدُودِ الشَّرْعِيَّةِ؛ فِيهَا مِنَ النِّكَايَةِ وَالزَّجْرِ مَا هُوَ كُفِيلٌ بِكَفِّ النَّاسِ عَنْ الْوُقُوعِ فِي مُوجِبَاتِهَا، وَفِي تَنْفِيذِ الْحُدُودِ حَسْمُ الْفَوْضَى وَاسْتِتْبَابُ الْأَمْنِ وَدَفْعُ الْفِتَنِ، يَقُولُ اللهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ بَعْدَ ذِكْرِ قِصَّةِ ابْنَيْ آدَمَ ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32] وَفَائِدَةُ التَّشْبِيهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: الرَّدْعُ الْقَوِيُّ عَنْ قَتْلِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى صَوَّرَ قَتْلَ النَّفْسِ الْوَاحِدَةِ بِصُورَةِ قَتْلِ جَمِيعِ النَّاسِ، وَفَائِدَةُ التَّشْبِيهِ أَيْضاً: التَّرْغِيبُ فِي إِحْيَاءِ النَّفْسِ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى صَوَّرَ إِحْيَاءَهَا بِصُورَةِ إِحْيَاءِ جَمِيعِ النَّاسِ، فَالْمُجْتَمَعُ الَّذِي تُقَامُ فِيهِ الْحُدُودُ تَجِدْهُ أَكْثَرَ الْمُجْتَمَعَاتِ أَمْناً وَأَقَلَّهَا فِتَناً ﴿فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً﴾ [الحجرات: 8] ﴿وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة: 105].
عِبَادَ اللهِ: لَقَدْ عَلِمَ الْقَاصِي وَالدَّانِي وَالْمُحِبُّ وَالْمُبْغَضُ أَنَّ هَذِهِ الْبِلَادَ: المملكة العربية السعودية بِحَمْدِ اللهِ تَعَالَى آمِنَةٌ مُطْمَئِنَّةٌ؛ سُبُلُهَا آمِنَةٌ، مُدُنُهَا عَلَى كِبَرِهَا آمِنَةٌ، قُرَاهَا عَلَى بُعْدِهَا آمِنَةٌ، الْأَمْنُ بِحَمْدِ اللهِ عَمَّ الْحَاضِرَ وَالْبَادِي، وَغَمَرَ الْمَدَرَ وَالْوَبَرَ، أَمَّا الْجَرِيمَةُ فَهِيَ عَلَى قِلَّتِهَا قَدْ ضُيِّقَ عَلَيْهَا الْخِنَاقُ، وَوُقِفَ لَهَا بِالْمِرْصَادِ فِي كُلِّ طَرِيقٍ.
فَقُلْ لِي بِرَبِّكَ: مَا الَّذِي خَصَّنَا بِهَذِهِ النَّعَمَةِ دُونَ أَكْثَرِ الْعِبَادِ؟ إِنَّهُ تَوْحِيدُ اللهِ تَعَالَى، وَإِفْرَادُهُ بِجَمِيعِ الْعِبَادَاتِ، وَالطَّهَارَةُ مِنَ الشِّرْكِ بِاللهِ الَّذِي حَرَّمَ اللهُ الْجَنَّةَ عَلَى صَاحِبِهِ، فَبِلَادُنَا بِحَمْدِ اللهِ مِنْ مَظَاهِرِ الشِّرْكِ سَالِمَةٌ وَلِمَنَائِرِهِ هَادِمَةٌ قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ﴾ [الأنعام: 82].
وَمِنْ آثَارِ ذَلِكَ التَّوْحِيدِ: تَطْبِيقُ حُدُودِ اللهِ تَعَالَى، وَإِقَامَةُ شَرْعِهِ بَيْنَ النَّاسِ فَالْقَاتِلُ يُقْتَلُ، وَالسَّارِقُ يُقْطَعُ، وَالزَّانِي يُجْلَدُ أَوْ يَرْجُمُ، وَالشَّارِبُ يُجْلَدُ.
فَالْحَمْدُ للهِ عَلَى هَذِهِ النِّعَمَةِ الَّتِي وَفَّقَ اللهُ تَعَالَى هَذِهِ الدَوْلَةَ لَهَا مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الدُّوَلِ فِي هَذِهِ الْأَزْمَانِ، نَسْأَلُهُ ـ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ـ أْنْ يَزِيدَهَا عِزَّةً وَقُوَّةً، وَأَنْ يُوَفِّقَهَا لِكُلِّ خَيْرٍ، وَأَنْ يُجَنِّبَهَا كُلَّ شَرٍّ وَمَكْرُوهٍ، وَأَنْ يُحَبِّبَ إِلَيْهَا الْإِيمَانَ وَيُزَيِّنَهُ فِي قُلُوبِهِمْ، وَأَنْ يُكَرِّهَ إِلَيْهِمِ الْكَفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ.
وَالْمُسْلِمُ السَّالِمُ مِنَ الْهَوَى يَحْفَظُ لَهُمْ هَذَا الْفَضْلَ، وَيَشْكُرُ لَهُمْ هَذَا الْخَيْرَ فَيَدْعُو لَهُمْ بِالتَّوْفِيقِ وَالتَّسْدِيدِ، وَيَتَحَرَّى بِذَلِكَ أَوْقَاتَ الْإِجَابَةِ.
إنَّ الْوَاجِبَ عَلَى الْمُسْلِمِ عِنْدَ إقَامَةِ الْحُدودِ وَالتَّعَازِيرِ التَّسْلِيمُ بِأُمُورٍ:
أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ تَطْبِيقَ الْحُدُودِ وَالتَّعَازِيرِ قُرْبَةٌ للهِ تَعَالَى فِي إِقَامَةِ دِينِهِ، وَإِظْهَارِ شَرِيعَتِهِ، وَالْمُسْلِمُ مَأْجُورٌ عَلَى حُسْنِ قَصْدِهِ.
وَمِنْهَا أَنَّ عَلَى الْمُسْلِمِ التَّسْلِيمَ لِأَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ عِلَلَهَا وَحِكَمَهَا ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65].
وَمِنْهَا أَنَّ فِي إِقَامَةِ الْحُدُودِ وَالتَّعَازِيرِ صَلَاحًا لِعُمُومِ النَّاسِ، فَقَدْ سَمِعْتُمْ مَا جَاءَ فِي الْأَثِرِ: «حَدٌّ يُعْمَلُ بِهِ فِي الْأَرْضِ خَيْرٌ لِأَهْلِ الْأرْضِ مِنْ أَنْ يُمْطَرُوا أَرْبَعِينَ صَبَاحاً» بَلْ هِيَ سَبَبٌ لِبَقَاءِ النَّاسِ وَعَدَمِ تَقَاتُلِهِمْ مَعَ بَعْضِهِمُ الْبَعْضَ، أَلَمْ تَسْمَعُوا قَوْلَ اللهِ: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾ [الْبَقَرَةُ:179] فَلَنْ يَسْعَى ذَوُو الْمَقْتُولِ لِلِانْتِقَامِ إِذَا أُقِيمَتْ الْحُدُودُ وَالتَّعَازِيرُ عَبْرَ الْوِلَايَةِ الشَّرْعِيَّةِ الْمُطَبِّقَةِ لِلْحُدُودِ.
أَيُّهَا الْمُسْلِمُونَ: إِنَّ الْمُسْلِمَ حِينَمَا يَسْمَعُ بَيَانَاتِ إِقَامَةِ حُدُودِ اللهِ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْبِلَادِ لَيَفْرَحُ فَرَحاً عَظِيماً؛ اسْتِجَابَةً لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: 58].
فَإِقَامَةُ الْحُدُودِ فَضْلٌ مِنَ اللهِ عَظِيمٌ، كَمَا أَنَّهُ رَحْمَةٌ مِنَ اللهِ كَبِيرَةٌ، لَا يُقَدِّرُ قَدْرَهَا إِلَّا الْعَاقِلُونَ الْعَالِمُونَ.
أَقُولُ قَولِي هَذَا، وَأسْتَغْفِرُ اللهَ لِيْ وَلَكُمْ مِنْ كُلِّ ذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرُوه.....
أَيُّهَا النَّاسُ: هُنَاكَ فِئَامٌ مِنَ النَّاسِ يَتَحَدَّثُونَ فِي قَضَايَا كَبِيرَةٍ فَوْقَ مَكَانَتِهِمْ فَيُعَرِّضُونَ أَنْفُسَهُمْ بِذَلِكَ لِلْقَوْلِ عَلَى اللهِ وَعَلَى دِينِهِ وَشَرْعِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ.
فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُنْزِلُ نَفْسَهُ مَنْزِلَةَ الْقُضَاةِ فَيَقُولُ: لَمَ لَا يُقْتَلُ هَذَا؟! لَمَ لَا يُرْجَمُ هَذَا؟! لَمَ لَا يُجْلَدُ هَذَا؟! وَكَأَنَّهُ قَدْ أَحَاطَ بِالْعِلْمِ، وَنُصِّبَ لِلْقَضَاءِ، وَمَا عَلِمَ هَذَا الْجَاهِلُ أَنَّ مَجْلِسَ الْقَضَاءِ مُخْتَلِفٌ جِدّاً عَنْ مَجْلِسِهِ الَّذِي يَتَكَلَّمُ فِيهِ وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى أَرِيكَتِهِ.
فَمَجْلِسُ الْقَضَاءِ مَجْلِسُ شُهُودٍ وَبَيِّنَاتٍ، حَتَّى إِنَّ الْقَاضِيَ لَا يَصِحُّ لَهُ فِي الشَّرَعِ أَنْ يَحْكُمَ بِعِلْمِهِ فِي الْقَضِيَّةِ؛ فَالْقَضَاءُ عِلْمٌ وَاسِعٌ إِنَّمَا يُجِيدُهُ أهْلُهُ الْأَكْفَاءُ، وَلَيْسَ تَخَرُّصاً وَحَدْساً، وَلَيْسَ عَاطِفَةً وَحَمَاسَةً.
أَتَعْلَمُ ـ أَيُّهَا الْخَائِضُ ـ فِي الْأَقْضِيَةِ وَلَسْتَ مَنْ أَهَّلَهَا أَنَّ قَاعِدَةَ: الْحُدُودُ تَدْرَأُ بِالشِّبْهَاتِ، قَاعِدَةٌ صَحِيحَةٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا؟!
صَحَّ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أنَّهُ قَالَ: «ادْرَؤُوا الْجَلْد وَالْقَتْلَ عَنْ الْمُسْلِمِينَ مَا اسْتَطَعْتُمْ» أَخْرَجَهَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَالْبَيْهَقِيُّ.
وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ـ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ ـ أنَّهُ قَالَ: لَأَنْ أُعَطِّلَ الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أُقِيمَهَا فِي الشُّبْهَاتِ.
وَقَدْ جَاءَ فِي هَذَا الْمَعْنَى أَحَادِيثُ مَرْفُوعَةٌ يَشُدُّ بَعْضُهَا بَعْضاً، وَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ معَ مَاعِزٍ وَالْغَامِدِيَّةِ لَيْسَ إِلَّا دَلِيلاً صَرِيحاً عَلَى صِحَّةِ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ.
فَهَل عَلِمَ ذَلِكَ الْمُتَكَلِّمُ هَذِهِ الْقَاعِدَةَ وَأَمْثَالَهَا، أَمْ أَنَّهُ جَهِلَهَا فَأُتِيَ مِنْ قِبَلِ جَهْلِهِ؟! فَحَذَارِ حَذَارِ ـ أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ ـ مِنَ الْخَوْضِ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ، وَإِذَا لَمْ يُكَلَّفِ الْإِنْسَانُ بِالْحُكْمِ فَلْيَحْمَدِ اللهَ، وَلْيَسْلَمْ، وَلَا يُدْخِلَنَّ نَفْسَهُ فِيمَا لَا يَخُصُّهُ وَلَا يَعْنِيهِ؛ فَإِنَّ مِنْ حُسِنِ إِسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهُ.
وَمِنَ الشُّبَهِ الَّتِي يَلُوكُونَهَا حِينَ تُطَبَّقُ التَّعَازِيرُ عَلَى الْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَنَّ الْمُنَفَّذَ فِيهِمْ أُنَاسٌ يُظْهِرُونَ الصَّلَاحَ، فَكَيْفَ تُقَامُ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الْعُقُوبَاتُ.
وَهَذِهِ الشُّبْهَةُ خَارِجَةٌ مِنْ عَدَمِ فِقْهٍ بِالشَّرِيعَةِ وَأَحْكَامِهَا، فَإِنَّ الْجَانِيَ إِنَّمَا يُنْظَرُ إِلَى فِعْلِهِ فِي الْجَرِيمَةِ، وَلَا يُلْتَفَتُ إِلَى مَا يُحْدِثُهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ تَوْبَةٍ أَوْ نَدَمٍ، وَإِلَّا فَلَنْ يُقَامَ حَدٌّ عَلَى َقاتِلٍ وَلَا سَارِقٍ وَلَا جَانٍ، فَكُلُّهُمْ سَيُظْهِرُ الْخُشُوعَ وَالتَّذَلُّلَ وَالنَّدَمَ عَلَى مَا فَاتَ، وَالنَّبِيُّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ لَمَّا أَقَامَ الرَّجْمَ عَلَى أَحَدِ الْجُنَاةِ فَسَبَّهُ أَحَدُ النَّاسِ؛ نَهَاهُ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ وَقَالَ: «لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَقُبِلَتْ تَوْبَتُهُ» فَالْجَانِي تَابَ بَعْدَ جِنَايَتِهِ وَمَعَ ذَلِكَ طَبَّقَ النَّبِيُّ ـ صَلَّى اللُه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ عَلَيْهِ الْحَدَّ، وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ: «لَقَدْ تَابَ تَوْبَةً لَوْ قُسِّمَتْ بَيْنَ أُمَّةٍ لَوَسِعَتْهُمْ» فَالْحَدُّ وَالتَّعْزِيرُ يُقَامُ وَلَا عِبْرَةَ لَنَا بِمَا يُحْدِثُهُ الْجَانِي بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ أُمُورٍ.
وَمِنَ الشُّبَهِ الَّتِي يَلُوكُونَهَا عِنْدَ تَطْبِيقِ الْحُدودِ وَالتَّعَازِيرِ عَدَمُ التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْحَدِّ وَالتَّعْزِيرِ، وَبَيْنَ مَنْ يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَمَنْ يُقَامُ عَلَيْهِ التَّعْزِيرُ، وَالشَّرِيعَةُ رَبَطَتْ ذَلِكَ بِنَظَرِ الْقَضَاءِ وَطَبِيعَةِ الْجَرِيمَةِ الَّتِي يَرَى أَنَّهَا تَسْتَحِقُّ الْعُقُوبَةَ الْمُنَفَّذَةَ بِسَبَبِهَا.
ثُمَّ إِنَّ النَّاسَ إِنَّمَا يَنْظُرُونَ إِلَى ذَلِكَ بِنَظْرَتِهِمْ هُمْ، وَلَوْ نَظَرُوا إِلَيْهَا بِنَظْرَةِ الْمُتَضَرِّرِينَ بِهَذِهِ الْجَرِيمَةِ مِمَّنْ فَقَدُوا أحَداً أَوْ مَالاً أَوْ تَرَوَّعُوا بِسَبَبِهَا لَرَأَوْا أَنَّ الْعُقُوبَةَ قَلِيلَةٌ فِي حَقِّ الْمُنَفَّذِ عَلَيْهِ.
فَالْحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ النَّظَرَ فِي ذَلِكَ لِلشَّرَعِ وَلَيْسَ إِلَى أَهْوَائِنَا.
فَاتَّقُوا اللهَ ـ عِبَادَ اللهِ ـ فِي أَمِرْكُمْ هَذَا، وَفِي كُلِّ أُمُورِكُمْ، ثُمَّ صَلُّوا عَلَى إِمَامِكُمْ وَرَسُولِكُمْ مُحَمَّدٍ.